لم تبدأ قصة الذهب السوداني المنهوب برسالة نشرتها صحيفة غربية أو بسجال بين مسؤول سوداني ورئيس مؤسسة إماراتية، وإنما بدأت في أبريل 2023 عندما اقتحمت ميليشيا الدعم السريع مؤسسات الدولة الاقتصادية في الخرطوم، واستولت على مصفاة الذهب الحكومية ودخلت مقر البنك المركزي بالتزامن مع اندلاع الحرب، ثم خرجت كميات ضخمة من السبائك والمجوهرات من السودان عبر شبكة إقليمية انتهى جزء كبير منها داخل الإمارات، حيث وجد الذهب المسروق سوقاً قادرة على استقباله وإعادة تدويره وتحويله إلى أموال تمول الميليشيا وتطيل أمد الحرب.
عادت القضية إلى الواجهة بعد تحقيق موسع نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» في 4 أغسطس 2026 تحت عنوان «الاندفاعة الإمبراطورية للإمارات في أفريقيا»، وكشف تفاصيل واحدة من أضخم عمليات نهب الذهب في التاريخ الحديث، ثم حاول أحمد بن سليم، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة، تفريغ ما كشفه التحقيق من مضمونه، عبر حصر النقاش في سؤال ضيق عن الجهة التي اشترت الذهب رسمياً، كأن غياب اسم الحكومة الإماراتية عن فاتورة الشراء ينفي مسؤولية المنظومة التي استقبلت الذهب وسهلت تداوله.
وفي 4 سبتمبر، رد الدكتور أمجد فريد الطيب، مستشار الشؤون السياسية والعلاقات الخارجية لرئيس مجلس السيادة الانتقالي والمدير التنفيذي لمركز «فكرة للدراسات والتنمية»، برسالة نشرتها «فاينانشال تايمز»، أعاد فيها القضية إلى جوهرها الحقيقي: كيف بنت الإمارات بيئة تجارية ومالية تسمح بتهريب ذهب السودان المنهوب وغسله وتحويله إلى عائدات مالية تدعم آلة حرب ميليشيا الدعم السريع؟
سرقة بدأت من قلب مؤسسات الدولة
كشف تحقيق «فاينانشال تايمز» أن ميليشيا الدعم السريع استولت، مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، على مصفاة الذهب الحكومية في الخرطوم واقتحمت مقر البنك المركزي، حيث سُرق ما لا يقل عن 1.5 طن من السبائك الذهبية بلغت قيمتها وقتها نحو مئة مليون دولار، إضافة إلى كميات من المجوهرات المنهوبة من خزائن البنوك التجارية.
وقبل الحرب، كان البنك المركزي السوداني قد راكم احتياطياً من الذهب وصل إلى 7.2 أطنان بحلول أكتوبر 2021، وهو ما جعل السيطرة على المصفاة والبنك المركزي عملية استيلاء مباشرة على أحد أهم الأصول التي امتلكتها الدولة السودانية. ولم تكن هذه العملية عملاً عشوائياً نفذه مقاتلون يبحثون عن غنائم فردية، لأن نقل هذه الكمية من السبائك عبر عدة دول ثم شحنها جواً احتاج إلى تمويل وحماية واتصالات وشركات ووسطاء ومطارات ووجهة تجارية قادرة على إدخال الذهب إلى السوق.
نقلت الصحيفة عن شاهد أكدت روايته ثلاثة مصادر أخرى مطلعة على العملية أن الذهب خرج عبر الحدود السودانية ووصل إلى تشاد وجنوب السودان، ثم نُقل جزء كبير منه من مطار جوبا الدولي على متن طائرات متجهة إلى الإمارات. وتحدث أحد المطلعين عن استخدام طائرات شحن مدنية وعسكرية في عمليات النقل، الأمر الذي يكشف أن ما حدث تجاوز التهريب التقليدي عبر أفراد أو سيارات صغيرة، واتخذ شكل عملية لوجستية منظمة تستفيد من شبكة إقليمية واسعة.
ميليشيا الدعم السريع نفت تورطها في سرقة الذهب، كما أنكرت الإمارات تقديم الدعم العسكري أو المالي إليها، غير أن هذه النفي المتكرر يصطدم بسلسلة من الأدلة التي تجمع بين السيطرة على المناجم والمصفاة، وخروج الذهب عبر دول الجوار، ووصوله إلى دبي، وظهور شركات إماراتية مرتبطة بتمويل الميليشيا وشراء الذهب السوداني ونقله إلى الإمارات.
دبي تحوّل الذهب المنهوب إلى أموال قابلة للاستخدام
تكمن أهمية الإمارات في هذه الشبكة في قدرتها على نقل الذهب من حالته الأولى بوصفه سبائك مسروقة أو إنتاجاً مهرباً من المناجم إلى سلعة قانونية الظاهر يمكن بيعها وإيداع عائداتها في الحسابات المصرفية واستخدامها في شراء السلاح والمركبات ودفع أجور المقاتلين وتمويل خطوط الإمداد.
تشير تقديرات أوردها تحقيق «فاينانشال تايمز» عن منظمة «سويس إيد» إلى تهريب أكثر من أربعين طناً من الإنتاج السنوي لمناجم الذهب الحرفية في السودان إلى دبي من دون المرور بالقنوات الرسمية أو سداد مستحقات الدولة السودانية. وهذا الرقم يكشف أن قضية الطن ونصف الطن المسروقة من الخرطوم تمثل جزءاً من منظومة أكبر تستنزف ثروة السودان بصورة مستمرة، وتحرم الخزانة العامة من عائداتها، ثم تعيد توجيه المال إلى الأطراف المسلحة التي تقاتل الدولة وتدمر مدنها.
تصل إلى السوق الإماراتية أيضاً كميات من الذهب المستخرج من مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الدعم السريع، بما فيها المناجم المرتبطة بشركة «الجنيد» المملوكة لعائلة قائد الميليشيا محمد حمدان دقلو «حميدتي»، والتي فرضت عليها الولايات المتحدة وبريطانيا عقوبات بسبب دورها في تمويل قوات الدعم السريع.
حتى الرواية الإماراتية الرسمية تقر بأن قيمة الذهب السوداني الذي مر عبر الإمارات خلال عام 2025 تجاوزت مليار دولار، ثم تحاول التقليل من أهمية هذا الرقم بمقارنته بحجم تجارة الذهب الإماراتية التي تبلغ مئات المليارات. غير أن ضخامة سوق دبي لا تبرئها، لأنها توفر تحديداً القدرة على إخفاء الذهب القادم من مناطق الحرب وسط كميات هائلة، وإعادة صهره وتغيير منشئه ودمجه داخل سلاسل توريد يصعب بعد ذلك تتبع بدايتها.
لا تتعلق المسألة بنسبة الذهب السوداني إلى إجمالي تجارة الإمارات، وإنما بمصدره والجهة التي تستفيد من عائداته والدماء التي أريقت من أجل السيطرة على المناجم والمصفاة وطرق التهريب. ويظل الدولار الناتج عن بيع الذهب قادراً على شراء السلاح مهما بدت كميته صغيرة داخل دفاتر سوق دبي.
رئيس المنظومة يقدم نفسه شاهداً على براءتها
بعد نشر التحقيق، تدخل أحمد بن سليم للدفاع عن الإمارات عبر رسالة نشرتها «فاينانشال تايمز» في 28 أغسطس، فرفض اتهام الدولة الإماراتية بالتورط في شراء الذهب، وقال إن الإمارات بوصفها دولة لا تستورد السبائك التجارية ولا تشتريها، واتهم الصحيفة بالخلط بين نشاط جهات خاصة وبين تورط الحكومة.
تبدو هذه الحجة مصممة لصرف الأنظار عن القضية الأصلية، لأن أحداً لا يحتاج إلى العثور على إيصال شراء صادر باسم الحكومة الإماراتية حتى يثبت الدور الذي أدته دبي في استقبال الذهب وغسله وتحويله إلى سيولة. تعمل هذه العمليات عبر شركات خاصة ومناطق حرة ووسطاء وتجار وحسابات مصرفية وواجهات تجارية، ولهذا تصبح قدرة المؤسسات الإماراتية على الترخيص والرقابة والتفتيش وتتبع مصادر الذهب جزءاً أساسياً من المسؤولية.
يشغل بن سليم رئاسة مركز دبي للسلع المتعددة، وهو المنطقة الحرة التي تمنح التراخيص لتجار الذهب، وتضع معيار دبي لتسليم الذهب، وتسوق الإمارة باعتبارها مركزاً عالمياً لتجارة المعدن النفيس. لذلك لا يكتب بن سليم بصفته مراقباً محايداً، وإنما يدافع عن المنظومة التي يديرها وعن سمعة السوق التي يشرف على تنظيم جزء رئيسي منها.
يحاول رئيس المركز الاحتماء بضخامة الواردات الإماراتية، فيشير إلى أن كمية 1.5 طن لا تمثل سوى نسبة محدودة من إجمالي الذهب الذي تستورده الإمارات سنوياً، ويتحدث عن القواعد الرقابية ومعايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والضوابط المفروضة على تجار الذهب. غير أن هذه المعايير تصبح بلا قيمة إذا تمكن الذهب المنهوب من دولة تمزقها الحرب من الوصول إلى دبي والتحول داخلها إلى أموال يستفيد منها الطرف الذي استولى عليه.
أمجد فريد يكشف حيلة «فاتورة الشراء»
جاء رد أمجد فريد في «فاينانشال تايمز» ليكشف المراوغة التي يقوم عليها دفاع بن سليم، حيث أوضح أن رسالته تطلب من القراء التعامل مع عملية نقل سبائك سودانية مسروقة جواً باعتبارها خلافاً في المحاسبة، ثم تحصر المسؤولية في سؤال يتعلق باسم الجهة التي اشترت الذهب.
أوضح فريد أن رسالة بن سليم لم تنف وصول الذهب السوداني إلى الإمارات، واكتفت بالقول إن الدولة الإماراتية لم تشتره بنفسها. وهذا الدفاع لا يجيب عن الكيفية التي عبر بها الذهب إلى السوق الإماراتية، ولا يحدد الشركات والتجار الذين استقبلوه، ولا يشرح إجراءات التحقق من مصدره، ولا يكشف مصير عائداته والجهات التي حصلت عليها.
حدد فريد المسؤولية في البنية التي تسمح بتهريب الذهب الملطخ بدماء السودانيين وغسله وتحويله إلى إيرادات تمول حرب ميليشيا الدعم السريع. وهذه المسؤولية البنيوية أخطر من عملية شراء واحدة، لأنها تكشف نظاماً قادراً على تكرار العملية وحماية المستفيدين منها وإخفاء العلاقة بين مصدر الذهب واستخدام أمواله.
وبذلك انقلب رد بن سليم إلى دليل على المشكلة التي حاول إنكارها، لأنه دافع عن الدولة من اتهام لم يكن محور القضية، وتجنب الإجابة عن دور مركز دبي للسلع المتعددة والسلطات الرقابية والمناطق الحرة والشركات المرخصة داخل الإمارات في استقبال ذهب قادم من بلد يعيش حرباً مفتوحة وتسيطر ميليشيا مسلحة على جانب كبير من إنتاجه ومناجم استخراجه.
الخزانة الأمريكية تكشف الشركات الإماراتية
لا يعتمد اتهام الإمارات على رواية الحكومة السودانية أو تحقيق صحفي واحد. ففي يناير 2025، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على حميدتي وشبكة من الأفراد والشركات المرتبطة بميليشيا الدعم السريع، وكشفت بصورة واضحة وظيفة الشركات الموجودة داخل الإمارات.
قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن شركة «كابيتال تاب هولدينغ» التي تتخذ من الإمارات مقراً لها قدمت إلى ميليشيا الدعم السريع المال والمعدات العسكرية، وحددت عدداً من الشركات الإماراتية التابعة للشبكة التي استخدمت لإخفاء الأنشطة المالية وعمليات شراء المعدات.
وكشفت الوزارة أن شركة «AZ Gold» الموجودة في الإمارات اشترت ذهباً من السودان لمصلحة ميليشيا الدعم السريع ونقلته إلى دبي، وأن القوني حمدان دقلو موسى، شقيق حميدتي وأحد المسؤولين عن عمليات شراء الأسلحة، استطاع الوصول إلى حساب مصرفي تابع للشركة في الإمارات يحتوي على ملايين الدولارات.
هذه الوقائع تهدم محاولة تصوير العلاقة باعتبارها تجارة خاصة لا تتحمل الدولة الإماراتية أي مسؤولية عنها، لأن الشركات لم تكن تعمل في مكان مجهول أو سوق غير خاضعة لسلطة، وإنما كانت مسجلة داخل الإمارات، وتستخدم نظامها المالي ومصارفها ومناطقها التجارية لتدوير الذهب وتحريك الأموال وخدمة قيادة ميليشيا متهمة بارتكاب جرائم جماعية في السودان.
عندما تستطيع شركة مقرها الإمارات شراء ذهب مرتبط بميليشيا مسلحة ونقله إلى دبي، ويستطيع شقيق قائد الميليشيا الوصول إلى حساب يحتوي على ملايين الدولارات داخل الدولة نفسها، وتستطيع شبكة إماراتية أخرى تزويد القوات بالمال والمعدات العسكرية، تصبح عبارة «الدولة لم تشتر الذهب» محاولة للتهرب من المسؤولية وليست جواباً عنها.
دائرة إماراتية تجمع الذهب والسلاح والحرب
تعمل المنظومة وفق دائرة متكاملة تبدأ بالسيطرة المسلحة على المناجم ومخازن الذهب ومؤسسات الدولة، ثم يخرج المعدن عبر تشاد أو جنوب السودان وغيرهما من المسارات، ويصل إلى سوق دبي عبر شركات ووسطاء، وبعد بيعه أو صهره تنتقل العائدات إلى حسابات وشركات مرتبطة بقيادة ميليشيا الدعم السريع، ثم تستخدم الأموال في شراء الأسلحة والمركبات والطائرات المسيّرة وتمويل المقاتلين وخطوط الإمداد.
تعيد هذه الأسلحة إنتاج السيطرة التي تسمح للميليشيا باحتلال مناطق جديدة والاستيلاء على موارد إضافية، فيخرج المزيد من الذهب وتعود الأموال إلى دائرة الحرب. وهكذا يتحول نهب الثروة السودانية إلى عملية تمويل ذاتي لتدمير الدولة، وتصبح الإمارات السوق التي تمنح هذه الدائرة قدرتها على الاستمرار.
لم تكتف أبوظبي بإقامة علاقة تجارية مع أطراف سودانية، لأن الأدلة التي أعلنتها الخزانة الأمريكية تربط شركات موجودة على أراضيها بتوفير المال والمعدات العسكرية، فيما يربط تحقيق «فاينانشال تايمز» بين الذهب المنهوب والرحلات المتجهة إلى الإمارات. وعند جمع المسارين يظهر شكل العلاقة بوضوح: ذهب السودان يخرج إلى دبي، والمال والسلاح يعودان إلى الميليشيا التي نهبته.
تحصل الإمارات من هذه العملية على الذهب والنفوذ والوصول إلى الموارد والأسواق، وتحصل ميليشيا الدعم السريع على المال والسلاح والقدرة على مواصلة الحرب، فيما يخسر السودان احتياطاته وإيراداته ومدنه وأرواح مواطنيه.
رقابة تُرفع كشعار وتسقط أمام الذهب السوداني
دافع بن سليم عن القواعد المنظمة لسوق الذهب الإماراتية، غير أن وجود اللوائح المكتوبة لا يعفي الجهة المنظمة عندما تكشف الوقائع أن شركات مرخصة داخل الإمارات تعاملت مع ذهب يخدم ميليشيا مسلحة، وأن السوق استقبل كميات كبيرة من إنتاج دولة تعيش حرباً وتنتشر فيها عمليات التهريب والسيطرة المسلحة على المناجم.
إذا كانت الرقابة الإماراتية قوية كما يزعم مسؤولو دبي، فعليهم أن يكشفوا أسماء الشركات التي استقبلت الذهب السوداني منذ أبريل 2023، ومصادر الكميات التي دخلت السوق، والمستفيدين الحقيقيين من الشركات والحسابات، ونتائج التحقيقات في الكيانات التي عاقبتها وزارة الخزانة الأمريكية.
أما الاكتفاء بنفي شراء الحكومة للذهب، ثم الحديث عن حجم السوق والمعايير الدولية، فيؤكد غياب الرغبة في كشف الشبكة التي نقلت المعدن من خزائن السودان ومناجمه إلى دبي. فالرقابة الحقيقية لا تقاس بحجم المؤتمرات التي تنظمها الإمارة أو بعدد المعايير المكتوبة في وثائقها، وإنما بقدرتها على منع الذهب المنهوب من دخول السوق وملاحقة الشركات والأشخاص الذين حولوه إلى مال للحرب.
الإمارات تنهب السودان مرتين
تتعرض ثروة السودان للنهب مرتين داخل هذه المنظومة؛ تبدأ السرقة عندما تستولي ميليشيا الدعم السريع على الذهب أو تسيطر على مناطق إنتاجه وتحرم الدولة من عائداته، ثم تكتمل عندما تستقبله السوق الإماراتية وتمنحه قيمة مالية جديدة تستخدم في تسليح الميليشيا وإطالة الحرب.
يدفع المواطن السوداني ثمن الدورة كاملة، فيفقد موارد بلاده التي كان يفترض أن تمول الخدمات والتنمية، ثم يواجه سلاحاً اشترته الميليشيا بالأموال الناتجة عن بيع تلك الموارد. ويخرج الذهب من السودان في صورة ثروة منهوبة، ثم يعود أثره في صورة رصاص وطائرات مسيّرة ومركبات عسكرية وتهجير ودمار.
لهذا لا تكفي مناقشة هوية المشتري المباشر أو البحث عن توقيع حكومي على وثيقة الاستيراد، لأن مسؤولية الإمارات تنشأ من المنظومة التي احتضنت الشركات والحسابات والتجار ووفرت السوق والغطاء التجاري للذهب، ثم سمحت بتحويل عائداته إلى أدوات تساعد ميليشيا الدعم السريع على مواصلة القتال.
إنكار يكشف أكثر مما يخفي
حاول أحمد بن سليم الدفاع عن سمعة دبي باعتبارها مركزاً عالمياً لتجارة الذهب، إلا أن رسالته كشفت ضعف الرواية الإماراتية، لأنها لم تقدم تفسيراً لمسار الذهب السوداني، ولم تنف وصوله إلى الإمارات، ولم تجب عن الشركات التي حددتها الخزانة الأمريكية، ولم توضح كيف استطاعت شبكة مرتبطة بقيادة الدعم السريع استخدام شركات وحسابات موجودة داخل الدولة.
لقد طرح أمجد فريد السؤال الذي تحاول أبوظبي تجنبه: لماذا تمول دولة ثرية تدمير السودان، وإلى متى يستمر الصمت الدولي في منحها الحصانة من المحاسبة؟
القضية أصبحت أكبر من 1.5 طن من السبائك، لأنها تتعلق بمنظومة متكاملة حوّلت دبي إلى منفذ لثروة سودانية منهوبة، وربطت أسواق الذهب الإماراتية بحسابات وشركات تخدم ميليشيا الدعم السريع، وسمحت بتحويل موارد السودان إلى مصدر دائم لتمويل الحرب عليه.
ولن تمحو هذه المسؤولية عبارة تقول إن الحكومة الإماراتية لم تمسك بإيصال الشراء، لأن الذهب خرج من السودان المنهك ووصل إلى سوق تشرف عليها مؤسسات إماراتية، ثم ظهرت عائداته داخل شبكة الشركات والحسابات التي دعمت ميليشيا الدعم السريع. وهذه هي الفضيحة التي يحاول دفاع بن سليم إخفاءها: الإمارات لم تكن محطة عابرة في طريق الذهب السوداني، وإنما وفرت السوق والمنظومة المالية والتجارية التي جعلت نهب السودان عملاً مربحاً، وحولت ثروته الوطنية إلى وقود لإحراقه.