بينما ينشغل العالم بجرائم الإبادة الجارية في غزة، يتواصل إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية بلا رادع، في مشهد يكشف أن العنف لم يكن يومًا سلوكًا فرديًا بل سياسة دولةٍ ممنهجة. هذا ما أكده عضو الكنيست الإسرائيلي عوفر كسيف بنفسه، في مقال صريحٍ فضح فيه نفاق نظامه وتواطؤ مؤسساته الأمنية مع ميليشيات المستوطنين، ليؤكد أن ما يجري ليس سوى استمرارٍ لمشروع الضمّ الفعلي الذي تسعى إليه الحكومة الإسرائيلية تحت غطاء “السلام”.

خلال جلسة الكنيست الأخيرة التي حضرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رفع كسيف مع زميله أيمن عودة لافتة تطالب بالاعتراف بدولة فلسطين، فتعرضا للضرب والطرد بالقوة من القاعة، في مشهد فاضح لما تسميه إسرائيل “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. يسأل كسيف ساخرًا: كيف يتحدث ترامب ونتنياهو عن السلام بينما يرفضان الاعتراف بشعبٍ حُرم لعقود من أبسط حقوقه تحت احتلالٍ وحشي؟

هذا النفاق، كما يقول، يتجلى بوضوح في الضفة الغربية، حيث تُستبدل لغة “السلام” بأصوات الرعب التي يزرعها المستوطنون في كل قرية وبلدة فلسطينية. فمنذ إعلان ترامب خطته ذات العشرين بندًا في نهاية سبتمبر الماضي، تم توثيق أكثر من ثلاثين هجومًا من قبل المستوطنين على الفلسطينيين، شملت اعتداءات جسدية وسرقة محاصيل زراعية وإحراق مركباتٍ وممتلكاتٍ خاصة.

ولم يكن هذا التصعيد مصادفة؛ إذ تزامن مع موسم الحصاد، الذي يمثل للفلسطينيين حدثًا اقتصاديًا واجتماعيًا وطنيًا يحمل رمزية الصمود تحت الاحتلال. لكن لهذا السبب تحديدًا، كما يقول كسيف، يتعمد المستوطنون سنويًا استهداف المزارعين في هذه الفترة. ففي موسم 2024 وحده، وثّقت منظمة يش دين الحقوقية الإسرائيلية 113 حادثة عنف وتخريب وعرقلةٍ للحصاد، وقعت في أراضٍ تعود إلى 51 قريةً وبلدةً فلسطينية، وشملت اقتلاع أشجار الزيتون وتدمير المحاصيل.

وتشير المنظمة إلى أن قوات الأمن الإسرائيلية لم تكتفِ بعدم التدخل، بل لعبت دورًا مباشرًا في منع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم في نحو 70% من الحالات، حيث شارك الجنود وضباط حرس الحدود ومنسقو الأمن في المستوطنات في طرد المزارعين الفلسطينيين أو تغطية اعتداءات المستوطنين ضدهم.

وليس غريبًا هذا التواطؤ، كما يوضح كسيف، فزعيم حزب المستوطنين بتسلئيل سموتريتش يشغل منصب وزيرٍ إضافي في وزارة الدفاع، مسؤولًا عن إدارة “منسق أعمال الحكومة في المناطق” (COGAT) – الجهاز الذي يدير فعليًا شؤون الاحتلال في الضفة. في قرية أم الخير مثلًا، اقتلع فريق خاص من “كوغات” أشجار الزيتون المملوكة لفلسطينيين بحجة عدم وجود تصاريح، بينما تجاهل بقاء بؤرة استيطانية غير قانونية في الجوار. حتى بعد أن أمرت محكمة القدس بوقف أعمال البناء في تلك البؤرة، ظلّ المستوطنون محميين من الجيش والحكومة.

يصف كسيف هذا كله بأنه أداةٌ حكومية لترسيخ الضمّ الزاحف للضفة الغربية، لا مجرد اعتداءات عشوائية. فقبل أسابيع فقط، قاد سموتريتش مسيرة شارك فيها آلاف المستوطنين دعماً لضمّ الضفة رسميًا، معلنًا بفخر: “نواصل تثبيت أقدامنا في أرض إسرائيل، مع أبطالٍ ومئات آلاف المستوطنين… علينا أن نُطبع ذلك ونجعله أبديًا”.

ويضيف كسيف أن نوايا هؤلاء واضحة وصريحة، بينما يواصل الغرب تجاهلها. فحتى بعد أن فرضت بريطانيا عقوبات شكلية على سموتريتش في يونيو الماضي، اقتصرت العقوبة على منعه من السفر إلى لندن، دون أن تمس سلطته الوزارية أو تمنعه من نهب الأراضي الفلسطينية. والأسوأ أن بريطانيا نفسها لا تزال تسمح ببيع منتجات المستوطنات في أسواقها، متجاهلة بذلك كل ما تدّعيه من التزام بالقانون الدولي.

يسأل كسيف بمرارة: إذا كانت الحكومة البريطانية تعترف بخطورة إرهاب المستوطنين، فلماذا تفتح أسواقها لبضائعهم؟ وإذا كان كير ستارمر جادًا في حديثه عن الاعتراف بدولة فلسطين، فكيف يسمح بانتهاك سيادتها بهذه الوحشية؟ أهو اعترافٌ حقيقي أم مجرد خدعة سياسية لإسكات الأصوات المعارضة داخل بريطانيا؟

ويؤكد أن السلام العادل لا يمكن أن يقوم إلا على الاعتراف بحق الفلسطينيين في السيادة والحرية وإنهاء الاحتلال العسكري والحصار. فالكرامة الإنسانية يجب أن تُصان “بين النهر والبحر” دون تمييز، وإلا فإن أي حديثٍ عن السلام سيظل خداعًا.

ويرى كسيف أن ما يُسمى “الضغط الأمريكي على نتنياهو” لوقف المجازر لم يكن بدافعٍ أخلاقي بل لتخفيف عبء العلاقة المسمومة مع “نظام منبوذ”. ويشير إلى أن الاحتجاجات العالمية من أجل تحرير فلسطين، والمظاهرات داخل إسرائيل نفسها ضد حكومة نتنياهو، هي القوة الحقيقية التي دفعت باتجاه وقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى.

لكنّه يحذر من أن العالم، الذي صمت طويلاً على المجازر في غزة، لا يجب أن يكرر خطيئته في الضفة الغربية، حيث تتواصل جرائم الاحتلال تحت أنظار الجميع.

يختتم كسيف كلماته بتحذيرٍ واضح: السلام الحقيقي لا يُبنى على الدماء، ولا على احتلالٍ مستمر، بل على العدالة والحرية لكل إنسانٍ يعيش على هذه الأرض.