تواصل حكومة السيسي توسيع الحضور الإماراتي في واحد من أغلى وأهم الأشرطة الساحلية في مصر، مع اقتراب إسناد تطوير أرض الجفيرة في الساحل الشمالي إلى مستثمر إماراتي في صفقة تقدر بنحو 135 مليار جنيه، أي قرابة 2.7 مليار دولار، بعد سنوات قليلة من صفقة رأس الحكمة العملاقة التي منحت أبوظبي موطئ قدم غير مسبوق على الساحل المصري.

وبحسب ما نقلته «الشرق بلومبرغ» عن مسؤولين مطلعين، تبلغ مساحة أرض الجفيرة نحو 642 فدانًا، ومن المنتظر تطويرها كمشروع سياحي وفندقي بنظام المشاركة، مع سداد قيمة الأرض على ست سنوات، فيما تحصل الحكومة على نسبة من عوائد المشروع وحصة عينية من الوحدات.

لكن خلف الأرقام الكبيرة يبقى السؤال الأخطر: كم قطعة من مصر يجب أن تدخل تحت النفوذ الإماراتي قبل أن تتوقف حكومة السيسي عن التعامل مع الأراضي الاستراتيجية باعتبارها خزينة دولارات تُفتح كلما ضاقت بها الأزمة الاقتصادية؟

رأس الحكمة لم تكن النهاية

حين وقعت حكومة السيسي صفقة رأس الحكمة مع الإمارات، جرى تقديمها باعتبارها استثمارًا استثنائيًا سيحل جزءًا كبيرًا من أزمة النقد الأجنبي ويطلق موجة تنمية جديدة.

لكن الجفيرة تكشف أن رأس الحكمة لم تكن استثناءً، بل بداية لمسار.

فبدل أن تكون صفقة واحدة، تتوالى المشروعات الإماراتية على الساحل، ويزداد معها نفوذ أبوظبي في منطقة تملك قيمة عقارية وسياحية وجيوسياسية هائلة.

المشكلة هنا ليست في جنسية المستثمر في حد ذاتها، بل في نمط متكرر تصبح فيه الأصول المصرية عالية القيمة هي الثمن الذي تدفعه الدولة للحصول على سيولة عاجلة.

بن زايد لا يشتري عقارًا فقط.. بل يبني نفوذًا

لا تتعامل أبوظبي مع الاستثمار الخارجي بوصفه نشاطًا تجاريًا منفصلًا عن السياسة.

فالموانئ والعقارات والسواحل والطاقة والخدمات اللوجستية تمثل أدوات نفوذ تستخدمها الإمارات في دول متعددة، وتمنحها قدرة على التأثير تتجاوز قيمة الأموال التي تضخها في المشروع.

ولهذا فإن توسع المستثمرين الإماراتيين على الساحل الشمالي لا ينبغي اختزاله في بناء فنادق ومنتجعات.

الساحل المصري يطل على البحر المتوسط، ويقع قرب موانئ وطرق ومحاور لوجستية ومناطق طاقة، كما أنه أحد أهم مخزونات الأراضي العامة التي يمكن أن تعتمد عليها مصر في تنميتها المستقبلية.

ومن يراكم المصالح الاقتصادية في هذه المنطقة يراكم معها نفوذًا سياسيًا طويل الأجل.

السيسي يبيع المستقبل لحل أزمة الحاضر

جوهر الأزمة أن النظام لا يستخدم هذه الصفقات ضمن استراتيجية تنمية مستقرة، بل في كثير من الأحيان بوصفها حلًا سريعًا لنقص العملة الأجنبية وأزمة الديون.

وهذه معادلة خطيرة.

فالدولة تحصل اليوم على مليارات الدولارات، لكنها تمنح المستثمر حق تطوير واستغلال أصول سترتفع قيمتها لعقود مقبلة.

وبدل أن تعالج الحكومة أسباب أزمة الدولار، من ضعف الإنتاج والصادرات والديون والإنفاق غير المنضبط، تلجأ إلى تحويل الأرض نفسها إلى مصدر للنقد الأجنبي.

وبهذه الطريقة يصبح كل عجز جديد مقدمة لصفقة جديدة.

لماذا الإمارات تحديدًا؟

العلاقة بين السيسي ومحمد بن زايد لم تكن يومًا علاقة اقتصادية فقط.

منذ عام 2013، قدمت الإمارات دعمًا ماليًا وسياسيًا كبيرًا للنظام المصري، ثم تحولت تدريجيًا من داعم للنظام إلى أحد أكبر المستثمرين والمشترين للأصول المصرية.

ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية، أصبح ميزان القوة داخل العلاقة أكثر وضوحًا: القاهرة تحتاج إلى الأموال، وأبوظبي تملك السيولة وتختار الأصول التي تريد الاستثمار فيها.

وهنا تتحول العلاقة من «دعم حليف» إلى فرصة توسع.

فبن زايد لا يقدم الأموال بلا مقابل، بل يبني شبكة مصالح تمتد من الشركات والبنوك إلى الموانئ والأراضي والمناطق الساحلية، وهو نفوذ ستظل آثاره موجودة حتى بعد انتهاء الأزمة المالية الحالية.

المستثمر يدفع على ست سنوات.. ومصر تحتاج الدولار اليوم

الأكثر إثارة للتساؤل أن الصفقة المقترحة، بحسب المعلومات المنشورة، تسمح بسداد قيمة الأرض على مدار ست سنوات.

وهذا يضعف الرواية التي تصور كل هذه الصفقات باعتبارها حلًا سريعًا لأزمة السيولة.

فإذا كانت الدولة في حاجة ملحة إلى الأموال، فلماذا تمنح المستثمر فترة طويلة للسداد في أصل ترتفع قيمته بسرعة؟

وهل التقييم الحالي للأرض يعكس قيمتها الحقيقية بعد ست سنوات، عندما تكون المشروعات الإماراتية الأخرى في الساحل قد رفعت أسعار المنطقة إلى مستويات أعلى بكثير؟

هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها من دون نشر العقود وشروط التقييم كاملة.

المصريون يحتاجون شفافية لا بيانات احتفالية

من حق المصريين معرفة تفاصيل أي صفقة تتعلق بأراضٍ عامة بهذا الحجم.

ليس فقط رقم الصفقة، بل أيضًا:

من هو المستثمر الإماراتي؟

كيف جرى تقييم الأرض؟

هل جرى طرحها في منافسة شفافة؟

كم ستكون حصة الدولة من الأرباح؟

ما مدة المشروع؟

هل يمكن للمستثمر بيع حصته لاحقًا؟

وما الضمانات التي تمنع تحول الأراضي الساحلية إلى مناطق نفوذ اقتصادي أجنبي مترابطة؟

الحديث عن «استثمارات بمليارات الدولارات» لا يكفي إذا لم يكن المواطن قادرًا على معرفة ما منحته الدولة مقابل هذه المليارات.

من الإنقاذ المالي إلى بيع الأصول

أخطر ما في سياسة السيسي الاقتصادية أنها تجعل مصر أكثر اعتمادًا على بيع أو مشاركة الأصول في كل مرة تدخل فيها الدولة أزمة مالية.

اليوم رأس الحكمة والجفيرة، وغدًا قد تكون أراضي أو شركات أو موانئ أخرى.

وهكذا لا تصبح المشكلة أن الإمارات تريد التوسع؛ فمن الطبيعي أن يسعى المستثمر إلى أفضل صفقة يستطيع الحصول عليها.

المشكلة أن النظام هو من يفتح الباب، مرة بعد أخرى، أمام أطماع بن زايد، مستخدمًا ثروة المصريين وأرضهم لتعويض فشل سياساته الاقتصادية.

فأبوظبي تبحث عن النفوذ والمكاسب، وهذا مفهوم بمنطق المصالح. أما السؤال الذي يجب أن يوجه إلى السيسي فهو: لماذا تتحول مصر في عهده إلى بائع مضطر، بينما يتحول بن زايد إلى مشترٍ دائم؟

من رأس الحكمة إلى الجفيرة، يبدو الساحل المصري أمام عملية إعادة رسم اقتصادية هادئة: كلما احتاج السيسي إلى الدولار، اتسعت خريطة المصالح الإماراتية. ومع استمرار هذا النهج، لم يعد السؤال ماذا سيشتري بن زايد بعد ذلك، بل ماذا سيبقى لمصر إذا ظلت السلطة تعالج فشلها ببيع المستقبل قطعةً بعد أخرى؟