في مشهد يتجاوز حدود الجغرافيا والسيادة، تتكشف أمامنا خيوط شبكة نفوذ إجرامية يقودها النظام الإماراتي، توظف الحصار والتجويع كسلاح إستراتيجي لإخضاع الشعوب. من غزة إلى دارفور، تتكرر الوصفة نفسها: حرمان المجتمعات من الغذاء والدواء، إنهاكها من الداخل، ثم فرض الإرادة السياسية بالقوة الناعمة المميتة… الجوع.

غزة: مختبر سياسة التجويع
في غزة، حيث يعيش أكثر من مليوني إنسان تحت حصار إسرائيلي خانق منذ أكثر من 17 عامًا، تفاقمت الكارثة الإنسانية منذ أكتوبر 2023 إلى مستويات غير مسبوقة. المستشفيات شبه خالية من الأدوية، والأطفال يسقطون جوعًا قبل أن تصلهم أي مساعدات، بينما يتم تصوير إدخال الشاحنات وكأنه منّة إنسانية.
لكن ما يجري خلف الكواليس أخطر من ذلك. فإلى جانب الحصار العسكري المعلن، تنشط شبكات إمداد وهمية وواجهات إنسانية تتحكم في تدفق المساعدات، أبرزها مؤسسة “غزة الإنسانية” (GHF)، التي تحوّلت من شعار الرحمة إلى أداة لخنق القطاع اقتصاديًا. هذه المؤسسة تُدار بقبضة رجل لا يمتّ بصلة للعمل الإغاثي: الأرميني ديفيد بابازيان، شخصية مثيرة للجدل، تتقاطع مسيرته مع شبكات فساد وغسيل أموال، وتحظى برعاية مباشرة من أبوظبي.
بابازيان: من قضايا الفساد إلى تنفيذ المهام القذرة
بابازيان، المتهم في أرمينيا بقضايا فساد، وجد في الإمارات ملاذًا آمنًا، حيث ارتبط بسلسلة مشاريع تموّلها وتديرها الدولة الإماراتية، منها:
- مشروع الطاقة الشمسية “أيغ-1” بقيمة 174 مليون دولار، تموّل الإمارات 85% منه عبر شركة “مصدر”.
- شركة الطيران Fly Arna، بالشراكة مع “العربية للطيران” الإماراتية.
- تنظيم منتديات الاستثمار الأرميني–الإماراتي، التي شهدت حضور مسؤولين إماراتيين كبار.
اختيار شخص بهذه الخلفية لإدارة ملف حساس مثل المساعدات لغزة يطرح تساؤلات عن الهدف الحقيقي: فالرجل لا يملك أي خبرة إنسانية، لكنه يملك المؤهلات التي تهم أبوظبي في المهمات القذرة… إدارة الحصار بأسلوب يبدو “قانونيًا” و”إنسانيًا” أمام العالم.
من غزة إلى دارفور: تكرار الوصفة
تجربة غزة تحولت إلى نموذج قابل للتصدير. وفي السودان، تحديدًا في إقليم دارفور، تُستخدم نفس الأدوات ولكن بواجهة مختلفة. هنا، لم تكن “المؤسسات الإنسانية” هي الغطاء، بل مليشيات مسلحة مدعومة من أبوظبي: قوات الدعم السريع.
اليوم يعيش أكثر من 25 مليون سوداني في فقر مدقع، نصفهم تقريبًا يفتقرون للغذاء الكافي. في مخيمات الزمزم والفاشر، تتحول المجاعة إلى مقصلة صامتة، حيث يمنع الحصار الميداني دخول المساعدات، بينما تترك الجثث لتتحلل قبل أن تصلها حتى الرصاصة.
تمويل وتسليح هذه المليشيات من أبوظبي ليس سرًا، إذ وثّقت تقارير أممية ودولية تدفق الأسلحة والمال من الإمارات إلى قادة الدعم السريع، بالتوازي مع منع دخول الغذاء والدواء، في إعادة إنتاج حرفية لسيناريو غزة.
التجويع كسلاح حرب
القانون الدولي الإنساني يجرّم استخدام التجويع كسلاح حرب، لكن في قاموس السياسة الإماراتية، هو أداة تفاوض فعّالة. في غزة، تتحكم واجهات أبوظبي في تدفق الغذاء بما ينسجم مع الأجندة الإسرائيلية، وفي دارفور، تدعم حصار المدن حتى يخضع السكان لمعادلات القوة الجديدة.
هذه السياسة تحقق أهدافًا متعددة:
- كسر الروح المعنوية لدى المجتمعات المستهدفة.
- إشعال الانقسام الداخلي على الموارد النادرة.
- فرض تسويات سياسية مهينة مقابل الطعام.
لماذا الإمارات؟
الجواب يكمن في ثلاثة محاور:
- النفوذ الإقليمي: عبر التحكم في الملفات الإنسانية، تقدم الإمارات نفسها كـ”منقذ” عندما يحين الوقت، ما يمنحها قوة ابتزاز دبلوماسية.
- خدمة الحلفاء: في غزة، تساند أبوظبي الأجندة الإسرائيلية؛ وفي دارفور، توسع نفوذ وكلائها المحليين.
- اختبار أدوات السيطرة: نجاح الحصار الغذائي في غزة جعله نموذجًا جاهزًا للتطبيق في ساحات أخرى.
الأدلة والروابط
علاقة أبوظبي بديفيد بابازيان موثقة بعقود وصفقات، كما أن دعمها لقوات الدعم السريع مثبت في تقارير الأمم المتحدة وتحقيقات صحفية دولية. هذه الروابط تكشف عن شبكة مصالح متشابكة تجمع بين المال والسياسة والسلاح، وتغلفها بشعارات “المساعدات” و”الاستثمار”.
خاتمة: الخرائط تحت يد واحدة
من ينظر إلى صور الأطفال في غزة والموتى جوعًا في الفاشر يدرك أن الخرائط باتت تتداخل في يد لاعب واحد، هو محمد بن زايد، الذي استنسخ نموذج الإبادة البطيئة وحوّله إلى أداة سياسية عابرة للحدود.
هذه الجرائم لا تجري في الخفاء، بل تحت أنظار المجتمع الدولي الذي ما زال يتعامل مع بن زايد كـ”شريك موثوق”. لكن الحقيقة أن سجل الإمارات في استخدام الجوع كسلاح يضع وصمة عار على جبين الإنسانية، ويستدعي تحقيقًا دوليًا عاجلًا قبل أن ينتقل هذا النموذج إلى ساحات جديدة.
اقرأ أيضًا : “بحري ينبع”: سفينة الموت السعودية التي فضحت تجارة الدم في موانئ أوروبا