لم يعد التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي حكرًا على الاتفاقيات السياسية أو التفاهمات الأمنية. في السعودية، انتقل المشروع إلى مستوى جديد: التطبيع عبر الترفيه والرياضة. والحدث الأخير في بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية بالرياض كشف حجم هذا الانزلاق؛ خمسة لاعبين إسرائيليين يتنافسون على ملايين الدولارات، بينما غزة تنزف تحت الإبادة الجماعية. مشهد فاضح يختصر فلسفة “رؤية 2030” التي باتت تستخدم الأضواء والفعاليات العالمية لتلميع الاحتلال وتجميل صورته على حساب دماء الفلسطينيين.

الرياضات الإلكترونية: مسرحية سياسية بأضواء نيون

بطولات الألعاب الإلكترونية ليست مجرد منافسات شبابية. إنها صناعة ضخمة بمليارات الدولارات، وجمهور عالمي يتجاوز مئات الملايين. السعودية أدركت هذه الحقيقة، فموّلت بمال صندوق الاستثمارات العامة بطولة الرياضات الإلكترونية كأداة دعائية جديدة. لكن استضافة لاعبين إسرائيليين في قلب الرياض، وفي توقيت تتواصل فيه المجازر على سكان غزة، حوّل البطولة من حدث ترفيهي إلى منصة تطبيع علني.

الصورة الأكثر تداولًا كانت للاعب الإسرائيلي جاي إيلوز (Guy Iluz) المعروف بـ”NertZ”، مرتديًا قميصًا بألوان الشذوذ الجنسي. صورة مقصودة بعناية: رسالة للخارج أن السعودية لم تعد “المحافظة المتشددة” بل باتت “متسامحة ومنفتحة”، ورسالة للداخل أن الإسرائيلي بات جزءًا من المشهد العادي، حتى لو كان ذلك على أنقاض جثث الفلسطينيين، ورسالة للفلسطينيين بأن قضيتهم يمكن تجاوزها على منصات الألعاب كما جرى تجاوزها في صفقات السلاح والغاز.

الوزير يقرّ: التطبيع الرياضي سياسة لا حادثة

الأخطر أن وزير الرياضة السعودي عبد العزيز بن تركي الفيصل سبق أن صرّح علنًا أن الرياضيين الإسرائيليين يتنافسون في المملكة بالفعل، حتى خلال الحرب على غزة. هذا يعني أن مشاركة الإسرائيليين ليست “استثناء” أو “مفاجأة”، بل سياسة ثابتة تتماشى مع مشروع محمد بن سلمان لتحويل الرياض إلى ساحة تطبيع ناعم عبر الرياضة والفن والترفيه.

من السوبر الأوروبي إلى الفورمولا 1: سجل طويل من الغسيل الرياضي

حادثة بطولة الألعاب الإلكترونية ليست منفصلة. منذ 2018، ضخت السعودية مليارات الدولارات في استضافة فعاليات رياضية عالمية:

  • كأس السوبر الإيطالي والإسباني: أندية أوروبية كبرى أجبرت على اللعب في الرياض وجدة، رغم اعتراض جماهيرها على توريط أنديتها في تلميع نظام متهم بجرائم قتل وتعذيب.
  • الفورمولا 1 في جدة: سباقات مبهرة على الكورنيش، تتزامن مع اعتقالات جماعية وإعدامات سياسية في الداخل. الإعلام العالمي وصفها صراحة بأنها “سباقات تُقام على دماء المعارضين”.
  • بطولات الجولف (LIV Golf): مشروع ملياري هدفه شراء لاعبين عالميين، لكنه واجه انتقادات واسعة من منظمات حقوقية رأت فيه أداة لتبييض سمعة نظام دموي.
  • كأس العالم 2034: الفوز بالاستضافة لم يكن إنجازًا رياضيًا بقدر ما كان نتاج صفقات وضغوط مالية وسياسية لإزاحة المنافسين، وسط تحذيرات من منظمات دولية بأن البطولة ستُستغل لتبييض السجل الحقوقي للمملكة.

ما يجمع كل هذه الأمثلة أن الهدف لم يكن الرياضة نفسها، بل استخدامها كأداة سياسية لغسيل السمعة، فيما يعرف عالميًا بمصطلح Sportswashing.

ازدواجية فاضحة: قمع التضامن وفتح الأبواب للإسرائيليين

التناقض صارخ. في الداخل السعودي، يُمنع أي تضامن علني مع غزة، وتُلاحق حتى التغريدات التي تنتقد الاحتلال أو سياسات التطبيع. لكن في الوقت نفسه، يُفتح الباب واسعًا أمام لاعبين إسرائيليين للمشاركة في بطولات رسمية ممولة من المال العام. الرسالة واضحة: قمع التضامن مع الضحايا، وتطبيع العلاقة مع الجلادين.

قميص بألوان الشذوذ: طبقات أخرى من الدعاية

ارتداء لاعب إسرائيلي قميصًا بألوان “مجتمع الميم” في الرياض ليس مجرد صدفة. إنه جزء من حملة دعائية مركّبة: ترويج أجندات غربية مثيرة للجدل داخل المملكة، بينما يُسوَّق ذلك للعواصم الغربية كدليل على “التسامح والانفتاح”. إنها ازدواجية مقصودة: حذف هذه المشاهد من النسخة المحلية، وتركها في النسخ العالمية الموجهة للجمهور الدولي، لتلميع صورة النظام أمام الغرب.

من التطبيع السياسي إلى التطبيع الشعبي

الأخطر من كل ذلك أن التطبيع لم يعد ملفًا يدار بين السياسيين، بل يجري تمريره إلى الجماهير. حين يعتاد الشباب العربي على مشاهدة لاعبين إسرائيليين في الرياض، أو فرق أوروبية تلعب بطولات في جدة، فإن وعيهم يُعاد تشكيله تدريجيًا. إنها محاولة لاختراق المجتمع من خلال أوسع وأخطر الأبواب: الرياضة والترفيه، حيث يذوب الاحتلال في مشاهد يومية على الشاشات.

العالم يرى والعار يلاحق

رغم الأموال الهائلة التي تُنفق، لم تنجح السعودية في شراء الصمت الكامل. الصحافة الغربية، من الغارديان إلى نيويورك تايمز، وصفت هذه الاستثمارات الرياضية بأنها “رشوة جماعية” لتبييض سجل حقوقي دموي. منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية اعتبرت أن قبول اللاعبين والأندية المشاركة في هذه البطولات يجعلهم شركاء في غسيل الدم السعودي.

واليوم، مع دخول اللاعبين الإسرائيليين الرياض في عزّ المجازر في غزة، يتأكد أن الهدف الحقيقي لم يكن الرياضة أبدًا، بل تبييض الاحتلال وتطبيع الجريمة عبر الملاعب.

دماء في غزة وألعاب في الرياض

بطولة الرياضات الإلكترونية في الرياض تحولت إلى مسرحية سياسية خطيرة: استعراض عالمي بتمويل سعودي، وحضور إسرائيلي، وصمت رسمي عن الإبادة في غزة. إنها لحظة مفصلية تُظهر أن ما يسمى “السعودية الجديدة” لا يتردد في استخدام الترفيه والرياضة كأداة لتبييض الاحتلال، وتكريس واقع التطبيع تحت غطاء الترفيه.

ما بين ركام غزة وأضواء الرياض، يكشف المشهد أن القضية الفلسطينية تُباع اليوم على طاولة الألعاب الإلكترونية، في واحدة من أكثر صور التواطؤ والابتذال السياسي فجاجة في التاريخ الحديث. الحقيقة القاسية أن كل هذه المليارات، وكل هذه البطولات، لن تُخفي المشهد: غزة تُقصف، والاحتلال يُكرّم، والسعودية تُحوّل الترفيه إلى مسرحية تبييض دماء.