ترجمة عن مقال للصحفية الصومالية/البريطانية ممتازة مهري في صحيفة الغارديان

دبي تحولت إلى رمز عالمي: عند البعض هي “مدينة الأحلام” وحلم الضرائب المنخفضة والرفاهية الاستهلاكية، وعند آخرين مجرد جحيم رأسمالي يقوم على الاستغلال الممنهج والسطحية المطلقة. الخطاب الغربي اختزلها في صور متناقضة، لكنها في الحقيقة أكثر خطورة مما يوصف عادة. هي مدينة بلا تاريخ، قطعة إسمنتية مصممة لتشتري فيها المال كل شيء، حتى البشر.

الواجهة البراقة وسط المدينة، ناطحات السحاب والمطاعم الفاخرة وبرج خليفة، صُممت لتغطي على واقع آخر: مجتمع شديد الطبقية، 85% من سكانه وافدون بلا حقوق مواطنة، يعيشون تحت رحمة قوانين الإقامة والفيزا، ويعانون مهانة التجديد والإذلال المستمر. خلف صورة الفنادق والقصور هناك ملايين المهاجرين من آسيا وأفريقيا، عمال بناء، نُدُل، خدم منازل، هم القاعدة الحقيقية التي يقوم عليها هذا الهرم المقلوب.

ممتازة مهري تنقل أن دبي تُسوّق نفسها كمدينة عابرة للثقافات، لكن هذه “التعددية” مبنية على استغلال اقتصادي بحت. العامل الآسيوي أو الأفريقي يظل عالقاً في القاع، بينما الطبقات الثرية من الأوروبيين والخليجيين تلهو في النوادي والمطاعم. الاستقرار وهم، والهوية مفقودة، والمدينة تحولت إلى معسكر عبور يستهلك البشر ويمتصهم ثم يلفظهم.

تاريخ دبي نفسه لا يمكن فصله عن الاستعمار البريطاني، فقد كانت جزءاً من “الإمارات المتصالحة”، امتداداً لإمبراطورية بريطانية مارست نفوذها حتى 1971. هذا الماضي الاستعماري لم يختف، بل تحول إلى استعمار جديد مموّه، تقوم به الشركات متعددة الجنسيات وصناديق المال العالمية التي وجدت في دبي مركزاً لإعادة إنتاج نموذج نيوليبرالي متوحش.

حتى الأدب والسينما التي تناولت دبي لم تستطع إخفاء الصورة القاتمة. أعمال مثل “Temporary People” أو “يوميات ديرة” أظهرت كيف يعيش العمال المهاجرون: استغلال، إذلال، محاولات للبقاء. قصصهم تحولت إلى مرآة لكشف زيف الدعاية الرسمية عن “مدينة التسامح” و”جنة الاستثمار“.

الكاتبة لفتت الانتباه إلى أن الغرب يحب أن يرى دبي بشكل سطحي، نصف الحكاية فقط: سيارات فارهة، موانئ لامعة، شقق فاخرة. لكنه يغض الطرف عن الجانب الآخر: القمع، غياب الحقوق، المراقبة الأمنية، إسكات الأصوات المعارضة، والخوف الدائم من الترحيل. حتى العمال الذين يجرؤون على مشاركة تفاصيل حياتهم عبر “تيك توك” يعيشون تحت تهديد دائم من القوانين التي تكمم الأفواه.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مشكلة دبي لا تقتصر على الفساد المالي أو على كونها ملاذاً للهاربين من العدالة من الفاسدين حول العالم، ولا على القمع الموثق في تقارير منظمات دولية وهيئات أممية، بل تتجاوز ذلك إلى كونها بيئة مثالية لإخفاء الأموال وغسلها، ومسرحاً لشراء الذمم وإسكات الصحافة الحرة، ومختبراً لصناعة صورة زائفة عن “مدينة عالمية” بينما الواقع هو نظام شديد القمع، يراقب كل حركة، ويصادر أي رأي مخالف، ويطارد كل محاولة للتعبير. هذه هي دبي التي تُقدَّم كـ”مدينة المستقبل”، لكنها في الحقيقة تجسد أسوأ ما في الرأسمالية الاستهلاكية والسلطوية السياسية معاً.

دبي في النهاية ليست سوى مرآة مشوهة، يرى فيها كل شخص ما يريد أن يراه: الأغنياء يشاهدون ملعباً استهلاكياً مفتوحاً، الفقراء يشاهدون سجناً واسعاً يفرض عليهم العيش بلا حقوق. من يقترب أكثر يرى الحقيقة: مدينة بلا روح، بلا حرية، وبلا عدالة، جُعلت لتكون مختبراً للقمع الحديث باسم الرأسمالية المعولمة.