تجري معركة اختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة بينما تواجه المنظمة سؤالًا يتجاوز اسم خليفة أنطونيو غوتيريش: من يحدد حدود عملها، ومن يستطيع تعطيلها عندما تتعارض قراراتها مع مصالحه؟ ففي وقت يُقدَّم فيه السباق بوصفه فرصة لإصلاح المؤسسة، تكشف الممارسات الأميركية والإسرائيلية عن صراع على استقلالها، عبر تعطيل القرارات، وحجب التمويل، وتقييد عمل الوكالات، ومعاقبة الأصوات التي تلاحق الانتهاكات.
الحديث عن إحكام القبضة على الأمم المتحدة لا يتطلب افتراض أن واشنطن وتل أبيب تتحكمان في كل مؤسساتها أو كل ما يصدر عنها. فالوقائع تكشف آلية أكثر تحديدًا: الولايات المتحدة تمتلك أدوات مباشرة لتعطيل القرارات المؤثرة ومنع وصول مرشح لا تقبله إلى الأمانة العامة، فيما تستخدم إسرائيل الضغط السياسي والقيود الميدانية ضد الهيئات والمسؤولين الذين يعترضون على سياساتها. وتتقاطع هذه الأدوات في تقليص قدرة المنظمة على تحويل الإدانة إلى إجراء.
اختيار القيادة يبدأ من بوابة الدول الكبرى
ينتهي عهد غوتيريش في 31 ديسمبر 2026، لكن اختيار خليفته لا يجري عبر اقتراع متكافئ بين الدول الأعضاء. فالجمعية العامة تعيّن الأمين العام بناءً على توصية مجلس الأمن، حيث يحتاج المرشح إلى تسعة أصوات على الأقل، من دون اعتراض أي دولة دائمة العضوية: الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا. وهكذا تستطيع دولة واحدة من هذه الدول إغلاق الطريق أمام مرشح تؤيده أغلبية المجلس.
تضع هذه الآلية القيادة المقبلة تحت اختبار قبول القوى الكبرى قبل أن تتولى منصبها. فالمرشح قد يعد بالدفاع عن القانون الدولي، لكن وصوله يعتمد على دول تستطيع تعطيل تطبيقه عندما يمس مصالحها. ويمنح ذلك واشنطن نفوذًا مباشرًا في تحديد من يصل إلى المنصب، حتى لو لم تستطع فرض مرشحها منفردة بسبب امتلاك الدول الأربع الأخرى حق الاعتراض نفسه.
وبحسب النتائج المنقولة عن الجولة الرابعة من التصويت الاستطلاعي في 29 سبتمبر، تتقدم ريبيكا غرينسبان من كوستاريكا بعشرة أصوات مشجعة، مقابل ثلاثة أصوات معارضة وصوتين بلا موقف. لكن تصدّرها لا يحسم اختيارها؛ إذ يظل احتمال اعتراض دولة دائمة العضوية قائمًا. وتبرز إلى جانبها كارولين رودريغيز بيركيت من غيانا ورافائيل غروسي من الأرجنتين.
وبينما يستحوذ احتمال تعيين امرأة للمرة الأولى على جانب من الاهتمام، يبقى السؤال السياسي الأهم: ما مساحة الاستقلال المتاحة لأي شخص يصل إلى المنصب عبر هذه التوازنات؟ فتغيير هوية الأمين العام لا يغيّر تلقائيًا النظام الذي يسمح لدولة واحدة بتعطيل قرارات المجلس.
غزة تكشف كيف تعمل الحماية الأميركية لإسرائيل
تقدم غزة مثالًا واضحًا على الفارق بين أغلبية دولية تريد التحرك ودولة تمتلك القدرة على منعه. ففي 18 سبتمبر 2025، استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد مشروع قرار يطالب بوقف إطلاق النار وإتاحة وصول المساعدات إلى غزة، رغم تأييد الدول الأربع عشرة الأخرى في مجلس الأمن. وكان ذلك سادس فيتو أميركي متعلق بالحرب منذ اندلاعها.
لا يمكن اختزال هذا التعطيل في عبارة عامة عن «عجز المجتمع الدولي». فهناك قرار سياسي أميركي محدد حال دون اعتماد مشروع أيدته بقية دول المجلس. والنتيجة أن الحماية الدبلوماسية لإسرائيل تفوقت على إرادة الأغلبية، وأن امتيازًا تتمتع به واشنطن داخل المؤسسة قيد قدرتها على التحرك.
وهنا تتجلى إحدى أعمق مشكلات الأمم المتحدة: الدول ليست متساوية في قدرتها على فرض النتائج. تستطيع الأغلبية التعبير عن موقف، لكن دولة دائمة العضوية تستطيع منع تحويله إلى قرار صادر عن مجلس الأمن. وهذه البنية تجعل محاسبة حلفاء القوى الكبرى رهينة موافقة تلك القوى.
التمويل وسيلة لتحديد ما يُسمح للمنظمة بفعله
يمتد النفوذ الأميركي إلى الموارد التي تعتمد عليها الهيئات الدولية. ففي أمر تنفيذي صدر في 4 فبراير 2025، قررت إدارة دونالد ترامب عدم المشاركة في مجلس حقوق الإنسان ومنع التمويل الأميركي للأونروا، وأمرت بمراجعة دعم المنظمات الدولية وفق مدى توافقها مع المصالح الأميركية. وشملت مراجعة اليونسكو تقييم ما تعتبره الإدارة نزعات معادية لإسرائيل داخل المنظمة.
وفي 7 يناير 2026، أعلن البيت الأبيض توجيهًا بوقف المشاركة والتمويل في 66 منظمة وهيئة دولية، بينها 31 كيانًا تابعًا للأمم المتحدة، بدعوى تعارضها مع المصالح والأولويات الأميركية.
تكشف هذه القرارات معيارًا معلنًا: استمرار الدعم مرتبط بتقييم واشنطن لمدى خدمة المؤسسة لمصالحها. ومن هنا يمكن قراءة حجب التمويل باعتباره أداة ضغط تتجاوز الخلاف على الإنفاق؛ فالهيئة التي تواجه نقصًا في الموارد تصبح أقل قدرة على تنفيذ برامجها، ويصبح استقلال موقفها مكلفًا من الناحية التشغيلية.
أما دعوات تقليص البيروقراطية وتحسين الكفاءة، فتحتاج إلى اختبار سياسي واضح: هل تؤدي إلى تحسين الخدمات والمحاسبة، أم إلى إضعاف المؤسسات التي تنتقد الدول النافذة؟ فالإصلاح الإداري لا يعالج اختلال القوة إذا بقيت القرارات والموارد خاضعة للضغط نفسه.
إسرائيل تضغط على القيادة وتضيّق عمل الوكالات
لا تمتلك إسرائيل حق الفيتو، لكنها تمارس نفوذها عبر الحماية الأميركية وإجراءاتها المباشرة ضد الحضور الأممي. ففي 2 أكتوبر 2024، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، يسرائيل كاتس، أن غوتيريش شخص غير مرغوب فيه، ومنعه من دخول إسرائيل، متهمًا إياه بعدم إدانة الهجوم الإيراني بصورة كافية.
ويحمل هذا الإجراء دلالة تتجاوز الخلاف مع شخص الأمين العام: تستطيع الحكومة الإسرائيلية تقييد وصول أعلى مسؤول أممي عندما ترفض مواقفه، بما يضع ضغطًا على القيادة الحالية ورسالة أمام من سيخلفها بشأن كلفة الاصطدام بها.
وفي حالة الأونروا، أصبح الضغط أكثر تأثيرًا على الأرض. فقد دخلت التشريعات الإسرائيلية التي تحظر عمل الوكالة داخل ما تعتبره إسرائيل أراضيها، وتمنع التواصل بين السلطات الإسرائيلية والوكالة، حيز التنفيذ في يناير 2025. كما أُمرت الأونروا بإخلاء مقارها في القدس الشرقية المحتلة ووقف عملياتها فيها.
تُظهر هذه الإجراءات أن التفويض الدولي وحده لا يضمن القدرة على العمل. فالقيود على المقرات والتواصل والوصول تستطيع إضعاف تنفيذ مهمة أقرتها الجمعية العامة. وعندما تتزامن تلك القيود مع قطع التمويل الأميركي، تتعرض الوكالة للضغط من جهتين: موارد أقل ومساحة عمل أضيق.
معاقبة من يوثق الانتهاكات
وصل الضغط أيضًا إلى أصحاب الولايات الحقوقية المستقلة. ففي يوليو 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة. وأعلنت الخارجية الأميركية الإجراء تحت عنوان يربط العقوبات بمواجهة الملاحقات القانونية التي تستهدف أميركيين وإسرائيليين، فيما طالبت مفوضية حقوق الإنسان بالتراجع عنه.
وألبانيز خبيرة مستقلة مكلفة من مجلس حقوق الإنسان؛ لا تمثل مواقفها تلقائيًا جميع مؤسسات الأمم المتحدة. لكن معاقبتها بسبب عملها توضح أن الضغط قد يستهدف الأشخاص الذين يوثقون الانتهاكات، إلى جانب الهيئات التي تتيح لهم أداء مهامهم. وقد وصف خبراء أمميون العقوبات بأنها تهديد لنظام حماية حقوق الإنسان.
ماذا ينتظر الأمين العام المقبل؟
يطرح المرشحون برامج لتعزيز الوساطة ومنع النزاعات وتقليل تداخل المسؤوليات وتحسين الإنفاق. لكن هذه الوعود تصطدم بسؤال لا تحله إعادة الهيكلة: ماذا يستطيع الأمين العام أن يفعل عندما تمنع دولة كبرى قرارًا، أو تحجب الموارد، أو تعاقب خبيرًا، أو تمنع دولةٌ وكالةً أممية من أداء عملها؟
ولا يعفي ذلك الأمم المتحدة من مسؤولية إخفاقاتها. فالمنظمة تُقاس بما تستطيع تحقيقه لحماية الناس، والفجوة بين قراراتها ونتائجها تمس صدقيتها مباشرة. لكن تفسير هذه الفجوة بالبيروقراطية وحدها يحجب دور الدول التي تعطل التحرك، ثم تستخدم ضعف النتائج لتبرير مزيد من التقليص والضغط.
تكشف معركة الخلافة، إذن، صراعًا على حدود الدور الأممي. فواشنطن تمتلك سلطة الاعتراض على المرشح وأدوات التأثير المالي والسياسي، فيما تسعى إسرائيل إلى تحييد الهيئات والأصوات التي تعترض على سياساتها، مستفيدة من الدعم الأميركي. ولا تعني هذه الوقائع أن السيطرة اكتملت، لكنها تبين كيف يجري تضييق مساحة الاستقلال.
الأمين العام المقبل سيرث مؤسسة تتحدث باسم مبادئ عامة، بينما تخضع قدرتها على تطبيقها لامتيازات دول محددة. والسؤال الذي سيحدد قيمة ولايته هو: هل يستطيع توسيع مساحة العمل والمساءلة، أم يصبح دوره إدارة نتائج التعطيل ضمن الحدود التي يرسمها أصحاب الفيتو والتمويل؟