بدأت حسابات وشخصيات إعلامية محسوبة على أبوظبي خلال الساعات الماضية في توجيه انتقادات مبطنة إلى الكويت، مستخدمة خطابًا يقوم على التذكير بما تصفه بـ«الدور الإماراتي في حماية الكويت»، بعد أيام قليلة فقط من حديث المنابر نفسها عن الاستقلال الخليجي ووحدة المصير والتحالف بين دول مجلس التعاون.

ولا تبدو الحملة، وفق قراءة متداولة في الأوساط المتابعة للسياسة الخليجية، مجرد سجال إلكتروني عابر، بل محاولة تمهيدية للضغط على القيادة الكويتية ودفعها إلى مراجعة موقعها داخل الاصطفافات التي تسعى أبوظبي إلى فرضها في المنطقة.

وتحوّلت لغة بعض الأصوات المحسوبة على الإمارات من الحديث عن الشراكة إلى خطاب يقوم على الاستعلاء السياسي، عبر ترديد عبارات من قبيل: «نحن من حماكم» و«لولانا لما بقيتم»، في محاولة لتصوير الكويت دولة مدينة لأبوظبي بأمنها واستقرارها.

وهذه ليست، بطبيعة الحال، اللغة المعتادة بين الحلفاء، ولا سيما داخل منظومة إقليمية يفترض أن تقوم على التكافؤ واحترام السيادة، لا على علاقة الحامي والتابع. ولذلك فإن توقيت الخطاب واتساقه بين عدد من الحسابات يثيران تساؤلات حول الرسائل السياسية التي تقف خلفه.

محاولة لضم الكويت إلى مشروع أبوظبي

بحسب معلومات وتحليلات متداولة بشأن خلفيات الحملة، سعى محمد بن زايد خلال الفترة الماضية إلى دفع الكويت نحو موقع أكثر التصاقًا بالمشروع الإماراتي في الخليج، على غرار العلاقة القائمة بين أبوظبي والمنامة.

ورغم أن الكويت لم تعلن رفضًا مباشرًا للمطالب الإماراتية، فإن عددًا من قراراتها وتحركاتها الأخيرة فُهم في أبوظبي باعتباره رفضًا عمليًا للتحول إلى حليف تابع أو الانخراط الكامل في مشروع سياسي وأمني ترسم الإمارات ملامحه.

ومن هذا المنظور، لا تستهدف الحملة الرأي العام الكويتي بقدر ما تتوجه إلى القيادة في قصر بيان، وإلى أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد، برسالة مفادها أن الحفاظ على مسافة من أبوظبي ستكون له كلفة سياسية وإعلامية.

فالضغط هنا لا يأتي في صورة خلاف رسمي معلن، بل عبر صناعة مناخ إلكتروني وإعلامي يضع الكويت في موضع المتلقي للحماية، ثم يبني على ذلك افتراضًا سياسيًا مفاده أن من يقدم الحماية يملك حق طلب الطاعة.

نظام خليجي جديد

ترى أبوظبي، وفق هذه القراءة، أن النظام الخليجي الذي تشكل مع تأسيس مجلس التعاون عام 1981 لم يعد قادرًا على الاستمرار بصورته القديمة، وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة يتعين فيها على كل دولة أن تحدد موقعها بوضوح داخل التوازنات الناشئة.

قطر حسمت منذ سنوات خيارها المستقل عن الرؤية الإماراتية، ودفعت كلفة سياسية واقتصادية كبيرة خلال أزمة الحصار. وعُمان تمسكت بدور الوسيط، ورفضت الانخراط في سياسة المحاور الحادة، فيما كانت البحرين أكثر قابلية للاندماج داخل المشروع الإماراتي.

أما السعودية، فتعمل على بناء تصورها الخاص لمستقبل الخليج والمنطقة، وهو تصور لا يتطابق مع مشروع أبوظبي، بل ينافسه في ملفات الاقتصاد والنفوذ والتحالفات الإقليمية.

وفشلت الإمارات، بحسب هذه القراءة، في إقناع الرياض بجدوى الخضوع لرؤيتها أو التخلي عن مشروعها المستقل، لتتحول السعودية إلى العائق الأكبر أمام الطموح الإماراتي في إعادة ترتيب النظام الخليجي.

وبين هذه المسارات تبقى الكويت الدولة الأصعب في معادلة الاصطفاف؛ فهي تتمسك بالحياد النسبي، وتحافظ على تقاليد الوساطة، وترفض أن تصبح جزءًا كاملًا من محور إماراتي أو سعودي.

الكويت هدف.. والرياض تتلقى الرسالة

لكن الحملة ضد الكويت لا تستهدف الكويت وحدها، إذ تحمل في الوقت نفسه رسالة غير مباشرة إلى السعودية.

فحين تقول أبوظبي إنها صاحبة الفضل في أمن الكويت أو إنها الأقدر على التأثير في قراراتها، فإنها تحاول أن تقدم نفسها للرياض باعتبارها الطرف الذي يملك مفاتيح التوازنات داخل مجلس التعاون، وأن نفوذها لا يقتصر على البحرين أو بعض الملفات الصغيرة.

وبهذا المعنى، تصبح الكويت ساحة للرسالة وليست الهدف النهائي لها، بينما تبقى السعودية هي المتلقي الأهم.

وتحاول أبوظبي أن توحي بأن قدرتها على التحرك داخل المجال الخليجي أوسع من قدرة الرياض، وأنها تستطيع الضغط على دول المجلس أو استمالتها أو إعادة تعريف علاقتها بها، حتى عندما يتعلق الأمر بدولة مثل الكويت حافظت تاريخيًا على استقلال قرارها.

صناعة ذاكرة سياسية جديدة

تكمن خطورة خطاب «نحن من حماكم» في أنه لا يكتفي بتوجيه ضغط آني، بل يسعى إلى صناعة ذاكرة سياسية جديدة داخل الخليج.

فإذا تكررت هذه الرواية وانتشرت، يمكن أن تتحول مع الوقت إلى أداة لإعادة تعريف العلاقات بين الدول، بحيث تُقدَّم الكويت باعتبارها دولة مدينة للإمارات بأمنها، لا دولة ذات سيادة شاركت في بناء النظام الخليجي على أساس الشراكة.

وهذا التحول اللغوي ليس تفصيلًا هامشيًا؛ لأن السياسة الإقليمية تبدأ غالبًا من إعادة صياغة الرواية، ثم تتحول الرواية إلى أساس لتبرير المطالب والتدخلات.

فالذي يقدم نفسه حاميًا يطالب بنفوذ، والذي يطالب بالنفوذ يتوقع امتثالًا، ثم يصبح أي رفض لهذا الامتثال خروجًا على «الجميل» المزعوم.

الضغط الإلكتروني أداة سياسية

ليست الحملات الإلكترونية المحسوبة على أبوظبي جديدة على المنطقة، فقد استُخدمت سابقًا في إدارة الخلافات مع قطر والسعودية وتركيا ودول أخرى، كما استُخدمت لضرب خصوم سياسيين وتشويه شخصيات ومؤسسات لا تنسجم مع سياسات الإمارات.

ولا تتحرك هذه الحسابات عادةً في فراغ، بل تنشط في توقيتات محددة، وتتقاطع في المفردات والرسائل، ثم تتراجع عندما تتحقق الغاية أو تصل الرسالة إلى الطرف المعني.

ولهذا، فإن متابعة لغة المنابر الإماراتية خلال الأشهر المقبلة ستكون ضرورية لفهم ما إذا كانت الحملة الحالية مجرد موجة ضغط قصيرة، أم مقدمة لمسار أكثر صدامًا مع الكويت.

فالخلافات الكبرى لا تبدأ دائمًا ببيانات رسمية أو استدعاء سفراء، بل قد تبدأ بتغريدة، أو حملة منظمة، أو إعادة صياغة متعمدة للتاريخ السياسي بين دولتين.

معركة على قيادة الخليج

في جوهرها، تعكس الحملة صراعًا أوسع على من يملك حق رسم مستقبل الخليج.

أبوظبي تريد نظامًا إقليميًا أكثر خضوعًا لرؤيتها، يقوم على تحالفات أمنية واقتصادية تقودها الإمارات، فيما تسعى الرياض إلى ترسيخ مشروعها الخاص بوصفها القوة الأكبر في المنطقة.

أما الكويت وعُمان وقطر، فتحاول كل منها الحفاظ على هامش استقلال يمنع تحول مجلس التعاون إلى أداة في يد عاصمة واحدة.

ومن هنا، فإن الضغط على الكويت يتجاوز خلافًا ثنائيًا محدودًا، ويصبح جزءًا من معركة أوسع على شكل النظام الخليجي المقبل: هل يبقى قائمًا على التوافق بين دول مستقلة، أم يتحول إلى شبكة نفوذ تقودها قوة إقليمية وتلحق بها بقية العواصم؟

الحملة الإعلامية الحالية قد تبدو ناعمة، لكنها تحمل مضمونًا سياسيًا خشنًا: أبوظبي تريد من الكويت تحديد موقعها، وتقول للرياض في الوقت نفسه إنها قادرة على التأثير في محيطها الخليجي. غير أن الكويت، بتاريخها السياسي وحرصها على استقلال قرارها، ليست البحرين، ومحاولة إخضاعها عبر خطاب المنّة والوصاية قد تدفعها إلى مزيد من الابتعاد عن المشروع الإماراتي بدل الاقتراب منه.