مقال بقلم الإعلامي مهدي حسن على صحيفة الغارديان البريطانية

الحكومة الأمريكية، بمباركة إعلامها، لم تكن متفرجة على الجرائم الإسرائيلية في غزة، بل كانت طرفًا مباشرًا وشريكًا نشطًا في تنفيذها.

آن الأوان لنتوقف عن خداع أنفسنا وتسميتها “حربًا”، أو “نزاعًا”، أو حتى “أزمة إنسانية”. ما نشهده في غزة، منذ أكثر من 22 شهرًا، هو إبادة جماعية موثقة بالصوت والصورة، تقر بها منظمات حقوقية وإنسانية كبرى مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وأطباء بلا حدود. والأهم من ذلك، أن أبرز منظمة حقوقية إسرائيلية، بتسيلم، أعلنت هذا الأسبوع أنها توصلت إلى “استنتاج قاطع لا لبس فيه، بأن إسرائيل تنفذ عملية منسقة لتدمير المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة عمدًا”. بكلمات مباشرة: “إسرائيل ترتكب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة“.

النقاش حول ما إذا كانت هذه إبادة جماعية أم لا قد انتهى فعليًا، والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن هو: هل نحن مجرد متفرجين؟ أم أن خطيئتنا تتجاوز الصمت إلى المشاركة؟ الحقيقة المرة أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بغضّ الطرف عن الحصار والقصف والتجويع والمجازر الجماعية التي طالت عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بل ساعدت إسرائيل على سحب الزناد. إنها شريكة في الإبادة الجماعية، وهذا في حد ذاته جريمة وفق المادة الثالثة من اتفاقية الإبادة الجماعية.

بل إن ما تفعله الولايات المتحدة يفوق مجرد التواطؤ؛ إنه مشاركة فعلية. فبحسب الجنرال الإسرائيلي المتقاعد يتسحاق بريك، فإن “جميع صواريخنا وذخائرنا وقنابلنا الذكية وطائراتنا وكل شيء مصدره الولايات المتحدة. ولو توقفت واشنطن عن الإمداد، لانتهت الحرب فورًا. لا يمكننا الاستمرار دونهم. هذه حقيقة يعلمها الجميع“.

وهذا ما يجعل الدور الأمريكي أكثر من مجرد صمت أو تغاضٍ. دونالد ترامب منح حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة الضوء الأخضر ليس فقط لـ”تطهير” غزة، بل وأمدها بالسلاح والمعلومات والتمويل. وعندما أعلن نتنياهو في مارس حصارًا تامًا على دخول الغذاء والمساعدات إلى غزة، أكد أن ذلك تم “بتنسيق كامل مع الرئيس ترامب وفريقه”. وفي تقرير لموقع Axios، نُقل عن مسؤول إسرائيلي قوله إن ترامب قال لنتنياهو مرارًا: “افعل ما تراه مناسبًا في غزة“.

أما حلفاء ترامب الجمهوريون في الكونغرس، فقد تحوّلوا إلى مشجعي إبادة جماعية علنيين. من السيناتور توم كوتون الذي دعا إلى “تفجير أنقاض غزة”، إلى ليندسي غراهام الذي قال “سَوّوها بالأرض”، وصولًا إلى النائب راندي فاين الذي دعا إلى قصف غزة نوويًا، وقال مؤخرًا إن على الفلسطينيين أن “يموتوا جوعًا” حتى يتم إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين. وهذا – للتذكير – يُعد تحريضًا على الإبادة، وهو جريمة أيضًا بموجب المادة الثالثة من اتفاقية الإبادة الجماعية.

لكن لا يمكن إعفاء الديمقراطيين من المسؤولية. فقد جرت أول 16 شهرًا من هذه المذبحة الجماعية في عهد رئيس ديمقراطي. منذ البداية، قدّم جو بايدن لحكومة نتنياهو كل شيء: قنابل زنة 2000 رطل تُلقى على مخيمات اللاجئين؟ تم توفيرها. استخدام الفيتو ضد قرارات مجلس الأمن التي تدعو إلى وقف دائم لإطلاق النار؟ تم استخدامه مرارًا. دفن تقارير داخلية للحكومة الأمريكية تحذّر من جرائم حرب ومجاعة في غزة؟ تم فعل ذلك.

ولم يكن بايدن وحده. الغالبية الساحقة من الديمقراطيين في الكونغرس واصلوا طوال عام 2024 التصويت مرارًا وتكرارًا لتمويل وتسليح وتبرير المذابح الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين. بل إن سبعة من أبرز أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين ظهروا في صورة مبتسمة مع نتنياهو في صيف 2025، بينهم زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر الذي قال إن الحديث عن الإبادة “معادٍ للسامية”، وإن وظيفته “هي الإبقاء على اليسار مؤيدًا لإسرائيل“.

ثم هناك تواطؤ الإعلام الأمريكي، الذي لم يقتصر على قنوات اليمين مثل Fox News، حيث قال أحد المذيعين إن من الصعب “تمييز الفلسطينيين عن حماس”، وآخر صرّح بأن الفلسطينيين “يشكلون تهديدًا ديموغرافيًا”، بل امتد إلى الإعلام الليبرالي أيضًا، الذي لا يتوقف عن تكرار أن “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها”، دون أن يتساءل يومًا إن كان للفلسطينيين هذا الحق.

وسائل الإعلام الأمريكية تجنبت استخدام مصطلحات “الإبادة” و”التطهير العرقي”، بل إن نيويورك تايمز – حسب مذكرة داخلية حصل عليها موقع The Intercept – أمرت صحافييها بتقليل استخدام هذه المصطلحات وتجنب عبارة “الأراضي المحتلة”. دراسة تحليلية للخطاب الإعلامي كشفت أن وصف “المجزرة” و”الفظائع” استُخدم غالبًا فقط عندما يُقتل إسرائيليون، في حين أن الفلسطينيين “يموتون” ببساطة، دون أن يُذكر من قتلهم. ودراسة أخرى كشفت أن البرامج السياسية الأمريكية الكبرى ناقشت الحرب في غزة طوال عام كامل دون أن تستضيف فلسطينيًا واحدًا.

أما المؤسسات الأمريكية الكبرى، فلم تكن أقل تواطؤًا. من جامعات النخبة التي قمعت المحتجين ضد الإبادة، إلى شركات المحاماة التي حرمت المتقدمين المناهضين للإبادة من فرص العمل، إلى شركات التكنولوجيا العملاقة التي اتُّهمت من قبل مقرّر أممي بالاستفادة من هذه الإبادة.

ربما لا يريد غالبية الأمريكيين تصديق أن دولتهم تشارك في واحدة من أسوأ جرائم القرن الحادي والعشرين. لكن التواطؤ واضح. التسهيل والتأييد والتغطية – كلها حقائق لا جدال فيها. كما كتب الصحفي سبنسر أكرمان: “هذه إبادة أمريكية بقدر ما هي إسرائيلية“.

الولايات المتحدة زوّدت إسرائيل بالقنابل والرصاص، ثم أعادت تزويدها بها بعد نفادها. وقّعت على تجويع الأطفال، وموّلت تدمير المستشفيات والمنازل. هذه حقائق دامغة. ولهذا، فإن إدارة بايدن وترامب، وأعضاء الكونغرس من الحزبين، والإعلام الأمريكي، جميعكم ستدينكم كتب التاريخ. ليس لأنكم دافعتم عن حليف، ولا لأنكم حاربتم الإرهاب، بل لأنكم شاركتم في جريمة الجرائم: الإبادة الجماعية.