تحوّل مهرجان الرياض للكوميديا إلى نموذج فاضح لكيفية شراء الأنظمة الاستبدادية لصوت الفن، وتحويل الضحك إلى وسيلة تلميعٍ للنظام، لا أداة نقدٍ له. الفكرة التي وُلدت في الأصل لتكسر الخوف وتواجه السلطة بالسخرية، أصبحت في الرياض مشروعًا مدفوع الأجر لإسكات الضمير الفني وتجميل صورة الحكم المطلق.
قَبِل عدد من أشهر الكوميديين الأمريكيين دعوة النظام السعودي للمشاركة في المهرجان الذي يمتد من السادس والعشرين من سبتمبر حتى التاسع من أكتوبر، مقابل مبالغ مالية خيالية، وصلت في حالة الكوميدي تيم ديلون إلى ثلاثمئة وخمسة وسبعين ألف دولار. هؤلاء الفنانون، ومن بينهم ديف شابيل وبيت ديفيدسون وكيفن هارت وبيل بور ولويس سي.كيه، تعهّدوا مسبقًا بالخضوع لما تسميه السلطات “قيود المحتوى”، أي الرقابة التامة على ما يُقال على المنصة، وحظر أي نكتة يمكن أن تُحرج الدولة أو العائلة الحاكمة.
لكن ديلون، الذي أدرك المفارقة قبل أن تطأ قدماه أرض السعودية، تجاوز الرقابة بطريقته الخاصة حين سخر في أحد البرامج الأمريكية من اعتماد السعودية على العمالة المنزلية الأجنبية التي تعمل في ظروفٍ شبيهة بالعبودية. قال ساخرًا: “العبيد مجتهدون في العمل، وفي الغالب متفهمون.” تلك الجملة وحدها كانت كافية لقطع عقده مع المهرجان حتى قبل أن يبدأ. السلطات السعودية اعتبرت أن من يتقاضى مبلغًا بهذا الحجم يجب أن يفرض الرقابة على نفسه حتى وهو خارج البلاد. مدير أعمال ديلون أبلغه بأن المنظمين “سمعوا ما قلته عن امتلاكهم عبيدًا، ولم يعجبهم الأمر.”
هذا المشهد لم يكن استثناءً، بل تلخيصًا لجوهر ما يفعله النظام السعودي بكل من يقترب من فنه أو إعلامه أو ترفيهه. الفنان مطلوب منه أن يصمت، أن يضحك الناس من دون أن يقترب من الحقيقة. أما من يرفض، فمصيره الإقصاء. المفارقة أن هذا المهرجان انطلق في التوقيت نفسه تقريبًا الذي يوافق الذكرى السابعة لاغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، الجريمة التي هزّت العالم وما زال أثرها الأخلاقي حاضرًا في كل محاولة سعودية لتلميع صورتها.
عدد من الكوميديين رفضوا الدعوة لأسباب أخلاقية، إدراكًا منهم أن الظهور في الرياض لا يعني إلا المشاركة في تبييض القمع. شين غيليس قال إنه رفض عرضًا ضخمًا احترامًا لمبادئه، فيما فضّل آخرون المال على الموقف. بيت ديفيدسون، الذي فقد والده في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، قبل العرض بمجرد رؤية الرقم في العقد، وجيم جيفريز قال ببرود إن قتل الصحفيين “مؤسف لكنه ليس السبب الذي يستحق أن أموت عليه”. تلك العبارات اختزلت مدى السقوط الأخلاقي للفنان حين يستبدل الكلمة الحرة بثمنٍ مالي، ويحوّل الكوميديا من رسالة إلى سلعة.
النظام السعودي، الذي أغرق الملاعب باللاعبين العالميين والأوبرا بالاتفاقات الفخمة، قرر أن يشتري الآن شيئًا أكثر عمقًا: احترام العالم. كل حفلة ومهرجان ورياضي أجنبي يدخل البلاد يُستَخدم لتغطية سجلٍّ حافل بالانتهاكات. وفقًا لتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش، المهرجان أُقيم بعد أشهرٍ قليلة من إعدام صحفي سعودي بسبب آرائه. النظام الذي قتل خاشقجي لا يزال يسجن ويعذّب ويعدم من يتجرأ على الكلام، ثم يفتح مسرحًا للضحك كي يقدّم نفسه كقوة ثقافية منفتحة.
الفارق بين الكوميدي والرياضي أو المغني أن الأول يملك سلاح الكلمة، وظيفته الأساسية أن يقول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله، وأن يعرّي السلطة بسلاح السخرية. حين يوقّع الكوميدي عقدًا يمنعه من انتقاد من يدفع له، فهو يتخلى عن جوهر مهنته ويحوّل فنه إلى إعلان تجاري لجلاده. كما قال الممثل والمنتج ميل بروكس، لا شيء يفقأ فقاعة الغرور والخطاب الاستبدادي مثل الكوميديا. الأنظمة الشمولية تعرف ذلك جيدًا، لذلك تسعى إلى قتل النكتة أو شرائها.
الكاتب الأمريكي الذي روى القصة شبّه هذا الانحدار بما فعله بوتين حين واجه معارضه أليكسي نافالني بالسجن والاغتيال، لأن الأخير استخدم السخرية لتقويض صورته. الكوميديا تزعزع أركان الديكتاتور لأنها تُضحك الناس عليه. ولهذا السبب تحاول الرياض اليوم أن تحتكر الضحك، لتمنع أي احتمالٍ أن يتحول ضدها.
الفنانون الذين قبلوا المشاركة في المهرجان لم يشتروا تذاكر سفر فحسب، بل باعوا المعنى الأخلاقي لفنهم. والذين صمتوا مقابل المال ساهموا في تحويل المنصة إلى ستارٍ جديدٍ يخفي وجوه القتلة، وغطاءٍ ثقافيٍ يغسل الدم الذي لم يجف بعد من يد النظام. لحظة واحدة من الضحك الممنوع في الرياض كانت كافية لإثبات أن كل ما يُسمّى “الانفتاح الثقافي” لا يتجاوز حدود المسرح الذي تملكه السلطة، وأن من يضحك هناك يضحك بأمرها.
هكذا صارت الكوميديا في السعودية تُؤدى فوق أنقاض الحقيقة، تحت أضواءٍ مزيفة تخفي العتمة خلفها، لتذكّر العالم بأن المال قادر على شراء كل شيء إلا الضمير، وأن من يبيع صوته في بلاط المستبد لا يملك حقّ الحديث باسم الحرية بعد اليوم.