في رد صارم على ادعاءات قناة “العربية” السعودية، نفت الحكومة الموريتانية بشكل قاطع أي لقاء مزعوم بين الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرة أن ما نُشر من أخبار لا يمت للواقع بصلة، ويمثل انحدارًا خطيرًا في مستوى التضليل الإعلامي الذي تمارسه القناة.

نفي رسمي وتحذير من التلاعب الإعلامي

أكد وزير الثقافة والاتصال، الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية، الحسين ولد مدو، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الألمانية، أن “الخبر الذي أوردته قناة العربية حول لقاء مزعوم بين رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني ورئيس الوزراء الإسرائيلي لا أساس له من الصحة”. وأضاف أن الخبر “عارٍ تمامًا من المصداقية”، داعيًا القناة إلى “تحري الدقة وتجنّب تسويق الأخبار الزائفة”.

وشدد ولد مدو على أن “من أولى واجبات المهنية الصحافية الاعتماد على المصادر الرسمية”، مؤكدًا أن الحكومة الموريتانية منفتحة على وسائل الإعلام الجادة، وتوفر لها المعلومات الدقيقة من مصادرها الموثوقة.

يأتي هذا النفي في أعقاب بث قناة “العربية” تقريرًا زعمت فيه أن الرئيس الموريتاني التقى بنتنياهو على هامش قمة اقتصادية في واشنطن، وهي الرواية التي نفتها نواكشوط جملة وتفصيلًا، في موقف عبّر عن رفض رسمي لأي تلميح للتطبيع أو التواصل مع كيان الاحتلال.

العربية.. منصة للدعاية والتطبيع

لطالما أثارت قناة “العربية” الجدل في تغطياتها السياسية، إلا أن دخولها على خط الأكاذيب المتعلقة بتطبيع موريتانيا مع “إسرائيل” يعكس توجهًا متعمدًا لترويج الدعاية الإسرائيلية عبر بوابة الإعلام الخليجي، لا سيما في ظل دورها المعروف كمُروج دائم للخطاب السعودي الرسمي الداعم للتطبيع الإقليمي.

فمنذ انطلاق ما سُمّي بـ”اتفاقيات أبراهام”، برزت “العربية” كأداة دعائية تُشرعن التطبيع وتهاجم كل من يرفضه، وتُلمّع صورة الاحتلال، وتخوض حربًا ناعمة لتطبيع وجوده في الوعي العربي. واليوم، تحاول القناة دفع موريتانيا إلى مربع المطبّعين عبر أخبار كاذبة، رغم أن نواكشوط قطعت علاقاتها مع الاحتلال منذ أكثر من عقد.

ومعروف أن قناة “العربية” تتبع خطًا تحريريًا يُعلي من شأن سياسات السعودية وحلفائها، لا سيما الإمارات، ويعمل على تزييف الحقائق بما يخدم مصالح هذه الأنظمة في ملفات حساسة كالقضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل، والتقارب مع الغرب على حساب الشعوب والقيم العربية.

موريتانيا بين ضغوط أمريكية ومواقف ثابتة

المثير أن نفي الحكومة الموريتانية تزامن مع تداول فيديو أظهر إحراجًا واضحًا تعرض له الرئيس الغزواني خلال مشاركته في قمة اقتصادية نظمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بواشنطن، بحضور رؤساء ليبيريا والسنغال والغابون وغينيا.

وفي المقطع، قاطع ترامب الرئيس الموريتاني بعد أن شرع في كلمته، قائلاً بنفاد صبر: “ربما علينا أن نسرع قليلاً في الحديث، فلدينا جدول زمني حافل”، في مشهد عكس استخفافًا أميركيًا برؤساء القارة الأفريقية، وعكس الطبيعة الاستعلائية التي ميزت تعامل إدارة ترامب مع دول الجنوب.

هذا اللقاء، الذي استغلته وسائل إعلام مثل “العربية” لنشر الأكاذيب، يأتي في سياق أوسع من محاولات واشنطن دفع دول أفريقية، من بينها موريتانيا، إلى اللحاق بركب التطبيع. فقد كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن إدارة ترامب رتبت بالفعل محادثات بين مسؤولين موريتانيين وإسرائيليين في مسعى لتوسيع شبكة العلاقات الإسرائيلية بالقارة.

وقالت الصحيفة إن واشنطن ترى في موريتانيا “حلقة مفصلية” ضمن مشروع تعزيز حضور الاحتلال في أفريقيا، خصوصًا بعد قطع العلاقات بين نواكشوط وتل أبيب عام 2010، وهو ما تعتبره “ثغرة يجب سدّها” في مشروع التطبيع الشامل الذي تبنّته إدارة ترامب بدعم إماراتي-سعودي واضح.

رفض شعبي ورسمي للتطبيع

ورغم الضغوط السياسية التي تُمارس على موريتانيا، تظل المواقف الشعبية في هذا البلد رافضة لأي تقارب مع الاحتلال، سواء من منطلق ديني، أو قومي، أو أخلاقي. وتُعد موريتانيا من الدول القليلة التي اتخذت قرارًا شجاعًا بقطع علاقاتها مع “إسرائيل” في العام 2010، رغم أنها كانت قد أقامتها في نهاية التسعينيات بضغط فرنسي وأميركي.

ومنذ قرار قطع العلاقات، لم تُظهر الحكومات المتعاقبة في نواكشوط رغبة حقيقية في استعادة تلك العلاقة، على العكس، حافظت على مسافة واضحة من مشروع التطبيع، وتجنبت الانجرار خلف موجته الأخيرة التي دفعت بها الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.

ويُفسّر هذا الثبات الموريتاني غضب الإعلام التطبيعي من القناة السعودية، الذي يسعى إلى تصوير نواكشوط وكأنها على وشك التطبيع، عبر تسريبات مفبركة أو لقاءات وهمية، ما يعكس فشل مشروع التطبيع في اختراق المزاج الشعبي العربي.

خاتمة: موريتانيا تفضح القناة وتثبت موقفها

في النهاية، لا يمكن قراءة نفي الحكومة الموريتانية إلا كموقف مبدئي ضد محاولات الاختراق الإسرائيلي، وضد تطبيع إعلامي بات أداةً لتزوير الواقع. لقد اختارت نواكشوط أن تواجه “العربية” وتفضح زيفها، وتعيد التأكيد على أن بوابة موريتانيا ليست مفتوحة أمام الاحتلال، مهما تغيّرت التحالفات، أو تصاعدت الضغوط.

وفي وقتٍ تحوّلت فيه بعض العواصم إلى مكاتب استعلامات إسرائيلية، ما تزال نواكشوط على عهدها مع القضية الفلسطينية، على الأقل في مستواها الرسمي، وسط دعم شعبي لا لبس فيه لحق الفلسطينيين في التحرر، ورفض شامل لكل أدوات الغزو الناعم، ومن بينها أكاذيب قناة “العربية”.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يطلب وواشنطن ترفض: لماذا تجاهلت إدارة ترامب نداء تل أبيب لاستهداف الحوثيين؟