في خطوة وُصفت بأنها “إجرائية” من حيث الشكل، لكنها عميقة الدلالة سياسيًا وأمنيًا، أخلت قوات تابعة لميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، الاثنين، معسكر جبل حديد الاستراتيجي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، القريب من قصر معاشيق الرئاسي، وسلمته إلى قوات تُعرَف باسم “أمن المنشآت”.
خطوة فتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات تتجاوز حدود “إعادة التموضع” إلى ما هو أبعد: من يضبط الأمن في عدن؟ ولصالح أي مشروع يجري إعادة ترتيب المشهد؟

تفاصيل الإخلاء.. ما الذي جرى؟
بحسب مصدر يمني مطّلع، فإن قوات “العمالقة” التابعة للمجلس الانتقالي الانفصالي المنحل، أخلت المعسكر الواقع في واحدة من أكثر النقاط حساسية وسط عدن، وسلمته لقوة أمنية جديدة ترتدي زي الشرطة اليمنية وتحمل مسمى “قوات أمن المنشآت”.
ووفق المصدر، تأتي هذه الخطوة ضمن ترتيبات أوسع لإخلاء المعسكرات من التشكيلات العسكرية وتسليمها لقوات أمنية، بإشراف مستشار قائد القوات المشتركة في اليمن، فلاح الشهراني، وفي سياق تنسيق معلن مع التحالف ووزارة الدفاع وهيئة الأركان.
الفيديو والشاهد الميداني
المركز الإعلامي لقوات العمالقة نشر مقطع فيديو يُظهر رتلًا عسكريًا كبيرًا يغادر معسكر جبل حديد، في مشهد قُدِّم بوصفه “شاهدًا” على تنفيذ عملية إعادة التموضع. وأكد المركز أن الإجراء يأتي تنفيذًا لتوجيهات عضو مجلس القيادة الرئاسي أبو زرعة المحرمي، ومحافظ عدن عبدالرحمن شيخ، ضمن خطة تهدف – بحسب الرواية الرسمية – إلى تعزيز الأمن والاستقرار وترسيخ الطابع المدني للعاصمة المؤقتة.
بين الطابع المدني وحقيقة السيطرة
رغم اللغة الرسمية التي تتحدث عن “إخراج القوات العسكرية من المدن”، فإن مراقبين يرون أن المسألة لا تتعلق بنزع عسكرة عدن بقدر ما هي إعادة توزيع للنفوذ الأمني. فالقوة التي استلمت المعسكر، وإن حملت صفة “أمن المنشآت”، تبقى جزءًا من منظومة أمنية تشكلت خلال سنوات الحرب، في ظل غياب جيش وطني موحد وسلطة مركزية قادرة على فرض سيادتها.
الإمارات والانتقالي.. علاقة تتجاوز الدعم
لا يمكن قراءة إخلاء معسكر جبل حديد بمعزل عن الدور الإماراتي في جنوب اليمن. فمنذ سنوات، دعمت الإمارات العربية المتحدة تشكيلات عسكرية وأمنية موازية لمؤسسات الدولة، كان أبرزها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي. هذا الدعم لم يقتصر على التمويل والتدريب، بل شمل – وفق تقارير حقوقية – إدارة سجون سرية وممارسات خارج إطار القانون.
سجون حضرموت السرية.. السياق الأوسع
تزامن الإخلاء في عدن مع تصريحات صادمة أطلقها عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، كشف فيها عن اكتشاف “سجون سرية” تديرها القوات الإماراتية في محافظة حضرموت. وأكد الخنبشي أن الحكومة ستتخذ إجراءات قانونية وسياسية ضد الإمارات والمجلس الانتقالي، لمحاسبة المتورطين وضمان العدالة للضحايا.
هذا التطور أعاد إلى الواجهة ملف الانتهاكات، وربط بين ما يجري في عدن وحضرموت ضمن سياق واحد: إدارة أمنية خارج سيطرة الدولة، تحكمها حسابات النفوذ لا منطق القانون.
عدن بين الأمن الهش والشرعية الغائبة
إخلاء معسكر استراتيجي قرب القصر الرئاسي يطرح سؤالًا جوهريًا: أين تقف الشرعية من كل ذلك؟ فعدن، التي يُفترض أنها العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دوليًا، ما تزال خاضعة لتوازنات قوى تفرضها التشكيلات المسلحة المدعومة خارجيًا. وبينما تُقدَّم الخطوة كجزء من “تنظيم أمني”، يخشى كثيرون أن تكون مجرد إعادة تدوير للسيطرة بأدوات مختلفة.
خلاصة المشهد
ما جرى في جبل حديد ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة إعادة ترتيب المشهد الأمني في الجنوب، تحت مظلة التحالف وبصمة إماراتية واضحة. وبين خطاب “الطابع المدني” وواقع المليشيات، تبقى عدن ساحة مفتوحة لصراع النفوذ، فيما يدفع المدنيون ثمن غياب الدولة، واستمرار عسكرة السياسة، وتسييس الأمن.
الخطوة قد تُقرأ كتهدئة مؤقتة، لكنها لا تعالج أصل الأزمة: من يمتلك القرار الأمني؟ ومن يحاسب على الانتهاكات؟ أسئلة تبقى بلا إجابة في ظل واقع تتقدم فيه المليشيا على الدولة، والدعم الخارجي على السيادة الوطنية.
اقرأ أيضًا : تشاد توجّه “الإنذار الأخير” لميليشيا الدعم السريع الإماراتية بعد هجومها على الجيش التشادي