في تصعيد جديد يعكس تحوّل الصراع في السودان إلى استهدافٍ مباشر للبنية التحتية المدنية، أفاد مصدر مطّلع بوزارة الطاقة السودانية للجزيرة بأن مسيّرات تابعة لـ ميليشيا الدعم السريع استهدفت محطة لتوليد الكهرباء في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، ما أدى إلى انقطاع كامل للتيار الكهربائي عن المدينة، في وقتٍ تعمل فيه الفرق الفنية على حصر الأضرار وسط ظروف أمنية بالغة التعقيد.

الهجوم لا يمكن قراءته بوصفه حادثًا عرضيًا أو عملًا عسكريًا معزولًا، بل يأتي ضمن نمط متكرر انتهجته ميليشيا الدعم السريع منذ انسحابها من العاصمة الخرطوم، يتمثل في استخدام الطائرات المسيّرة لضرب المرافق الحيوية، وعلى رأسها محطات الكهرباء والمطارات والموانئ، في محاولة واضحة لنقل المعركة من ساحات الاشتباك المباشر إلى حرب استنزاف خدمية تستهدف المدنيين في المقام الأول.

الكهرباء كسلاح ضغط

بحسب مصدر وزارة الطاقة، فإن استهداف محطة الأبيض أدى إلى شلل واسع في الخدمات الأساسية، إذ تعتمد المستشفيات ومحطات المياه والاتصالات بشكل مباشر على التيار الكهربائي. ومع انقطاعه، تتحول المدينة إلى بؤرة أزمة مركّبة تشمل الصحة والمياه والغذاء، في مشهد بات مألوفًا في مدن سودانية عدة تعرضت لهجمات مشابهة.

وفي المقابل، قال مصدر عسكري بالجيش السوداني للجزيرة إن ثلاث مسيّرات انقضاضية تابعة للدعم السريع تم إسقاطها في مدينة كنانة بولاية النيل الأبيض قبل إصابة أهدافها، ما يشير إلى توسّع نطاق الهجمات ومحاولات متكررة لاختبار الدفاعات الجوية، واستنزافها تدريجيًا.

تمدد ميداني وتكامل النيران

بالتوازي مع الضربات الجوية، أعلنت الحركة الشعبية – شمال سيطرة قوات الدعم السريع على بلدة البرداب ومقر حامية الجيش شمالي كادوقلي بولاية جنوب كردفان. ويكشف هذا التزامن بين التقدّم البري واستهداف البنية التحتية عن تكتيك متكامل يهدف إلى إضعاف قدرة الدولة على إدارة المناطق الخاضعة لها، عبر قطع الخدمات وإرباك خطوط الإمداد وخلق ضغط شعبي متزايد.

ولا تبدو ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال، غرب، جنوب) مجرد ساحات جانبية في الصراع، بل تحولت إلى مسرح رئيسي للحرب، نظرًا لموقعها الاستراتيجي الذي يربط وسط السودان بغربه وجنوبه. وقد أدت الاشتباكات العنيفة هناك إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان، وفاقمت من تدهور الأوضاع الإنسانية في مناطق تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية وشح الموارد.

الدور الإماراتي: دعم غير معلن لحرب المسيّرات

في خلفية هذا التصعيد، يبرز الدور الإماراتي بوصفه أحد أخطر العوامل المؤثرة في مسار الحرب. فالتقارير الحقوقية والصحفية المتواترة تتحدث عن دعم تقني ولوجستي وفني قدّمته الإمارات لميليشيا الدعم السريع، شمل تزويدها بتقنيات الطائرات المسيّرة، وأنظمة الاتصال والاستطلاع، والتدريب على استخدامها في ضرب أهداف عالية الحساسية.

هذا الدعم مكّن الميليشيا من تعويض خسائرها الميدانية عبر التحول إلى سلاح الجوّ المسيّر، منخفض الكلفة وعالي التأثير، بما يسمح لها بضرب محطات الكهرباء والمطارات من مسافات بعيدة، دون الدخول في مواجهات مباشرة. ويعكس ذلك نمطًا معروفًا في حروب الوكالة، حيث تُدار المعارك عن بُعد لتقليل الكلفة السياسية على الداعم الخارجي، مقابل تعظيم الخسائر داخل الدولة المنهكة.

المدنيون في مرمى النار

استهداف الكهرباء لا يمكن فصله عن استراتيجية واضحة لتحويل المدنيين إلى أداة ضغط. فمع كل ضربة لمحطة توليد أو شبكة توزيع، تتضاعف معاناة السكان، وتتآكل قدرتهم على الصمود، ما يخلق بيئة فوضى وانهيار قد تُستثمر سياسيًا وعسكريًا لفرض وقائع جديدة على الأرض.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، قُتل عشرات الآلاف، وشُرّد نحو 13 مليون شخص، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر. ومع استمرار حرب المسيّرات ضد البنية التحتية، يبدو أن السودان يتجه نحو مرحلة أكثر خطورة، تتحول فيها الخدمات الأساسية إلى ساحات قتال، وتُستخدم فيها الكهرباء والمياه كسلاح حرب بدم بارد.

أفق قاتم

إن استمرار هذا النهج ينذر بتعقيد أكبر للأزمة السودانية، ويطرح تساؤلات جدية حول مسؤولية المجتمع الدولي في وقف تدفق الدعم الخارجي للميليشيات، ومحاسبة الأطراف التي تغذي حرب البنية التحتية. فبدون كبح هذا المسار، قد تصبح مدن السودان رهائن لطائرات مسيّرة، تُدار من غرف بعيدة، وتدفع ثمنها أرواح المدنيين واستقرار البلاد.

اقرأ أيضًا : خارجية الاحتلال تهاجم ممداني.. استهداف سياسي لعمدة نيويورك