بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي اجتياحه المتكرر لمدن الضفة الغربية، شهدت مدينة نابلس مساء الإثنين واحدة من أعنف الاقتحامات منذ أسابيع، حيث اندلعت مواجهات بين شبان فلسطينيين وقوات الاحتلال في المنطقة الشرقية من المدينة، بالتزامن مع استعداد مئات المستوطنين لاقتحام مقام “قبر يوسف” المثير للجدل.

الهجوم الإسرائيلي أسفر عن إصابة 4 فلسطينيين برصاص الاحتلال، في ظل إغلاق الاحتلال للمداخل الرئيسية للمدينة، وعزل أحيائها لمنع وصول الإسعاف والمساندة الشعبية. ومثل كل مرة، ارتبط الهجوم بخرافة دينية يتبناها المستوطنون عن أن المقام يحتوي رفات النبي يوسف عليه السلام، في حين تؤكد دراسات لعلماء آثار فلسطينيين ودوليين أن الضريح لا يتعدى عمره بضع مئات من السنين، ويعود لرجل صالح من أهالي نابلس يُدعى يوسف دويكات.

اللافت في هذا المشهد الدموي المتكرر هو الغياب الصارخ لأي موقف حازم من السلطة الفلسطينية، بل إن أجهزة أمنها تمارس دور “منسق مرور” للاقتحامات، عبر التنسيق الأمني مع الاحتلال. ورغم أن المشهد يستدعي تحركًا وطنيًا موحدًا، إلا أن الرئيس محمود عباس، وكبار مسؤولي السلطة، يلتزمون الصمت المريب، في تواطؤ واضح مع سياسة الاحتلال القائمة على تركيع الضفة تدريجيا، وتصفية روح المقاومة فيها.

منشآت تحترق في ترمسعيا.. وعنف المستوطنين يتمدد بلا رادع

وفي موازاة عدوان نابلس، هاجم مستوطنون إسرائيليون بلدة ترمسعيا شمالي رام الله فجر الإثنين، حيث أضرموا النار في منشأة زراعية وأشجار مثمرة، وكتبوا شعارات عنصرية على جدران المنازل والمنشآت.

الهجوم لم يكن معزولا، إذ وثقت الأمم المتحدة خلال أسبوع واحد فقط وقوع 24 هجومًا مشابهًا شنها المستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة، الأمر الذي يؤكد أن العنف الاستيطاني أصبح جزءًا ممنهجًا من سياسة الاحتلال، وليس مجرد تصرفات فردية.

وقال فرحان حق، نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إن عنف قوات الاحتلال والمستوطنين ضد التجمعات الفلسطينية مستمر بلا هوادة، مشيرا إلى أن الوضع الإنساني والأمني في الضفة آخذ في التدهور.

وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد الشاب يوسف العامر خلال اقتحام إسرائيلي لبلدة قباطية جنوب جنين، وهو ما يرفع عدد شهداء الضفة الغربية خلال يوليو فقط إلى 4، وفق تقارير رسمية.

كما واصل المستوطنون تجريف أراضي الفلسطينيين في قرية “أم الخير” بمسافر يطا جنوب الخليل، في إطار محاولة مستمرة لفرض الأمر الواقع على الأرض، وتوسيع رقعة الاستيطان في المناطق المصنفة (ج) التي تشكل أكثر من 60% من الضفة الغربية.

تهجير بدوي صامت في الأغوار.. وعباس يتفرج

في أخطر تطور، حذرت منظمة “البيدر” الفلسطينية الحقوقية من تصاعد سياسة “التهجير الناعم” التي تستهدف التجمعات البدوية في الأغوار الشمالية، حيث تُجبر العائلات على الرحيل تحت وطأة التضييق المستمر، وهجمات المستوطنين، ومصادرة الأراضي، وتقييد حركة الرعاة والمزارعين.

وقالت المنظمة إن هذا التهجير يجري ضمن سياسة إسرائيلية منهجية تهدف إلى تفكيك البنية الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين في المنطقة، تمهيدًا لضمها رسميًا لاحقًا ضمن ما يسمى “صفقة القرن” أو مخطط الضم الزاحف.

وأشارت إلى أن عدد التجمعات البدوية في الضفة الغربية يبلغ نحو 212 تجمعًا، تم تهجير 64 منها بالفعل، بما يزيد عن 9 آلاف فلسطيني، معظمهم من الرعاة والمزارعين الذين فقدوا مصدر رزقهم الأساسي.

ورغم خطورة هذه التطورات، فإن القيادة الفلسطينية بقيادة محمود عباس لم تُبدِ أي رد فعل حقيقي، واكتفت بتصريحات إنشائية فارغة من هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، دون دعم فعلي لهذه المجتمعات المهددة. بل إن تقارير متطابقة أكدت أن السلطة لا تقدم دعما ميدانيا لهذه التجمعات، ولا تتخذ أي خطوات لوقف زحف الاستيطان أو تقديم شكاوى فعالة في المحافل الدولية.

هذه السياسة المتخاذلة – التي بات كثيرون يصفونها بـ”الخيانة الصامتة” – أسهمت في تآكل الثقة بالسلطة الفلسطينية، ودورها التمثيلي، خصوصًا في ظل قمعها المتكرر للمقاومين، وتنسيقها الأمني المستمر مع الاحتلال، الذي يشكل الغطاء الأخطر للمخططات الاستيطانية.

تصعيد مزدوج في الضفة وغزة.. ومخطط إسرائيلي لفرض الاستسلام

التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية يأتي متزامنًا مع حرب الإبادة المتواصلة في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أسفرت – وفق مصادر فلسطينية – عن أكثر من 210 آلاف شهيد وجريح، أغلبهم من الأطفال والنساء، إلى جانب أكثر من 9 آلاف مفقود ومجاعة غير مسبوقة.

وفي الضفة، أدى تصاعد الاعتداءات خلال نفس الفترة إلى استشهاد أكثر من 1013 فلسطينيًا، وإصابة نحو 7 آلاف، واعتقال أكثر من 18 ألفًا، في مشهد يعكس نية إسرائيل فرض واقع سياسي جديد بقوة السلاح، يقوم على كسر إرادة الفلسطينيين في الضفة والقطاع معًا.

ومع استمرار هذا التصعيد، تبقى القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها محمود عباس، غائبة عن المشهد، بل ومتواطئة ضمنيًا، حيث باتت تُستخدم كغطاء شرعي للسيطرة الإسرائيلية على الأرض، في مقابل الحفاظ على امتيازات السلطة واستمرار التنسيق الأمني، حتى ولو كان الثمن تهجير الأغوار أو استشهاد مئات الشبان في جنين ونابلس.

خاتمة: تهجير صامت.. وصمت سياسي

ما يجري في الضفة الغربية، وتحديدًا في نابلس والأغوار، ليس مجرد أحداث متناثرة، بل جزء من مشروع صهيوني متكامل يستهدف تفريغ الأرض من سكانها، عبر تهجير بدوي صامت، وتصعيد دموي في المدن الكبرى، بدعم من جيش الاحتلال والمستوطنين.

وفي ظل تواطؤ السلطة الفلسطينية، واستمرار الغطاء الأمريكي والدولي للاحتلال، يبقى الشعب الفلسطيني وحده في الميدان، يدافع عن أرضه بصدوره العارية، فيما تختبئ قيادته خلف الشعارات، وتواصل التنسيق مع من يحتل الأرض ويقتل الأبرياء.

اقرأ أيضًا : نتنياهو “يقتل الأسرى جوعًا”.. حماس تتهمه وتحذر من نية تصفية الملف بالإبادة الصامتة