كانوا يسمعون أصوات الفلسطينيين، ويطّلعون على صور أحبائهم، ويتابعون تفاصيل حياتهم عبر الهواتف المخترقة، ثم يشاركون في توجيه الضربات التي تقتلهم. هذه المسافة بين معرفة الإنسان واتخاذ قرار بإزهاق حياته هي إحدى أكثر الحقائق إيلاماً في فيلم  «NAZA»، الذي يضم مقابلات مع 24 جندياً وعنصراً في الاستخبارات الإسرائيلية يتحدثون عن مشاركتهم في منظومة المراقبة والاستهداف في غزة.

في مقال نشرته «الغارديان»، يقرأ المؤرخ عمر بارتوف هذه الشهادات باعتبارها مدخلاً لفهم كيفية مشاركة أشخاص متعلمين، يتحدثون بهدوء ويعيشون حياة مألوفة، في قتل جماعي منظم. وتنبع قوة شهاداتهم من وصف التفاصيل المهنية اليومية التي جعلت حياة الفلسطينيين أرقاماً على الشاشات، وجعلت إنجاز الضربة سبباً للشعور بالكفاءة والرضا، بينما بقي مصير العائلات المستهدفة خارج النقاش.

يعيد الفيلم بذلك توجيه النظر إلى العاملين في غرف الاستخبارات وتحديد الأهداف، حيث تُتخذ قرارات تسبق سقوط القنابل وتحدد من يعيش ومن يموت. فالمسؤولية عن تدمير غزة تشمل من جمع المعلومات، وحدد الأهداف، وأجاز أعداد الضحايا، وأصدر التعليمات، بقدر ما تشمل من نفّذ الهجوم.

اختصار لغوي يخفي البشر الذين سيُقتلون

اسم الفيلم «NAZA» اختصار عبري لعبارة تعني «الأضرار الجانبية». ويوضح بارتوف أن الاختصار يضيف طبقة أخرى من الإخفاء إلى تعبير يخفي أصلاً حقيقة ما يصفه؛ فبدلاً من الحديث عن أطفال وأمهات وعائلات ستموت في ضربة، يدور السؤال حول عدد من وحدات  «NAZA».

تؤدي هذه اللغة وظيفة داخل منظومة القتل، لأنها تسمح بمناقشة موت البشر كما تُناقش المعطيات التقنية اللازمة لإنجاز المهمة. وتختفي خلف الرقم أسماء الضحايا وأعمارهم وعلاقاتهم وحياتهم اليومية، فيصبح قبول موتهم إجراءً يمكن تسجيله وتمريره ضمن سلسلة الموافقات.

وبحسب الشهادات التي يعرضها بارتوف، ارتبط عدد المدنيين المسموح بقتلهم بأهمية الشخص المستهدف، ووصل في بعض الحالات إلى مئات الأبرياء. ويستعيد أحد المشاركين معياراً بلغ عشرين مدنياً لكل هدف، ثم يتوقف أمام معنى تطبيقه على عشرات الآلاف من الأهداف، ليخلص إلى أن النتيجة ستكون غزة بأكملها، ويقر بأنه لا يعرف كيف يتعامل مع هذا الإدراك.

تكشف هذه اللحظة أن معرفة حجم الكارثة كانت ممكنة من داخل الحسابات نفسها. فما يُقدَّم في كل ضربة بوصفه عدداً مسموحاً به يتراكم، عبر آلاف العمليات، ليصنع تدميراً واسعاً للمجتمع. والانشغال بكل مهمة منفردة يتيح للمشارك أن يتجنب النظر إلى الحصيلة التي يسهم في إنتاجها.

يعرفون تفاصيل حياتهم ثم يوجّهون القصف إليهم

أتاحت أدوات المراقبة لعناصر الاستخبارات دخول الحياة الخاصة للأشخاص الذين يجري استهدافهم؛ فقد سمعوا أصواتهم وشاهدوا صور أسرهم واطّلعوا على علاقاتهم عبر اختراق الهواتف. ومع ذلك، لم تمنع هذه المعرفة استمرار المشاركة في الضربات.

يركز بارتوف على اللحظات التي تنهار فيها المسافة النفسية بين العامل خلف الشاشة والإنسان الموجود في المنزل المستهدف. فالصوت أو الصورة العائلية يكشفان للحظة أن البيانات تخص بشراً يعيشون ويحبون ويخافون، ثم تعود إجراءات العمل لتختزلهم في هدف وعدد متوقع من القتلى.

تفضح هذه الشهادات قدرة المنظومة على تعطيل أثر المعرفة الأخلاقية؛ إذ يستطيع العامل أن يرى حياة الضحية، ثم يفصلها عن تقييم نجاح العملية. وهكذا تصبح الدقة في جمع المعلومات متوافقة مع تجاهل الإنسان الذي جُمعت عنه، وتُستخدم المعرفة الحميمة بحياته لخدمة قرار قتله.

المشاركة في القصف باعتبارها متعة وإنجازاً

يصف أحد المشاركين عمله على الضربات الجوية بأنه كان ممتعاً للغاية ويمنحه شعوراً بالمعنى، ثم يقر بأنه لم يكن يفكر في الأشخاص الموجودين داخل المبنى الذي يُقصف، وإنما ينتقل إلى المهمة التالية. وعندما يستعيد تجربته، يعبر عن خيبة أمله في نفسه بسبب مشاركته في المنظومة، ويجيب بالإيجاب القاطع حين يُسأل عما إذا كانت إسرائيل قد ارتكبت إبادة جماعية في غزة.

يرى بارتوف أن مفهوم المتعة هنا يرتبط بالإحساس بالأداء المتقن تحت الضغط، وإثبات القدرة على تنفيذ ما تدرب عليه الشخص، والحصول على شعور بالجدوى والانتماء. وهذه إحدى أكثر آليات المشاركة خطورة، لأن الرضا المهني يصبح مرتبطاً بعملية تنتهي بموت أشخاص لم يدخلوا أصلاً في حسابات صاحبها الأخلاقية.

ويقول مشارك آخر إن وحدته لا تضم فعلياً أشخاصاً يكرهون العرب، ويصفها بأنها وحدة نخبوية تضم كثيرين من تل أبيب. تكشف هذه العبارة حدود الصورة التي يقدمها المشاركون عن أنفسهم؛ فالاعتقاد بأنهم غير متطرفين لا يغير نتائج الأفعال التي أسهموا فيها، وغياب خطاب الكراهية الصريح لا يحمي المدنيين من القنابل.

النخبة المتعلمة جزء من منظومة القتل

ينتمي كثير من المتحدثين، وفق وصف بارتوف، إلى الطبقة الوسطى العليا، وتخرجوا في مدارس متميزة والتحقوا بوحدات استخبارات مرموقة، مع آفاق مهنية تتيح لهم الانتقال لاحقاً إلى قطاع التكنولوجيا. وتكمن أهمية هذه الخلفية في أنها تكشف أن المشاركة في العنف الجماعي لا تتطلب الانتماء إلى جماعات هامشية أو الإعلان عن أفكار متطرفة.

فالمهارات التي تمنح أصحابها مكانة اجتماعية، مثل التحليل والقدرة التقنية والانضباط وسرعة الإنجاز، تستطيع خدمة منظومة تدميرية عندما تُفصل عن المسؤولية تجاه البشر. وعندها يُقاس نجاح الفرد بقدرته على تنفيذ المطلوب، بينما يُستبعد السؤال عن مشروعية المطلوب وعواقبه.

يلخص أحد الضباط هذه العلاقة حين يرد على سؤال عن الدافع وراء القتل بالقول إنهم ينجزون المهمة التي كُلّفوا بها. ويكشف هذا الجواب كيف تتحول المؤسسة إلى مرجع يحدد الفعل ويمنحه معناه، بحيث يحل الالتزام بالتعليمات محل التفكير المستقل في نتائجها.

لماذا يستحضر بارتوف تاريخ الإبادة؟

يفتتح بارتوف مقاله باستحضار فيرنر بيست، المسؤول القانوني البارز في قوات «إس إس»، الذي أسهم في تنظيم فرق الموت النازية، وربط تدمير العدو بإمكان تنفيذه دون كراهية. ويستخدم هذه الإشارة لشرح قدرة المخططين والإداريين على التعامل مع الإبادة ببرود مهني، بعيداً عن الصورة الشائعة للقاتل الذي تحركه نوبة غضب أو سادية ظاهرة.

ويميز الكاتب بين منفذي العنف المباشر وبين من يضعون الخطط ويصدرون الأوامر ويوفرون وسائل التنفيذ والتبرير. ويؤكد، مستعيناً بتاريخ الإبادة في أرمينيا وكمبوديا ورواندا وضد شعب الهيريرو، أن القتل الواسع يحتاج إلى التنظيم والموارد والإدارة، وأن دور هؤلاء المخططين أساسي في تحويل العنف إلى سياسة قابلة للتنفيذ على نطاق كبير.

تخدم المقارنة التاريخية سؤالاً عن آليات المشاركة والمسؤولية: كيف يستطيع الإنسان الحفاظ على صورة عادية عن نفسه بينما يؤدي وظيفة تسهم في إهلاك آخرين؟ والإجابة التي يتقدم بها المقال تمر عبر تقسيم العمل، واللغة التقنية، والانضباط المؤسسي، والابتعاد عن المشهد المادي الذي تنتجه القرارات.

الثقة بالمنظومة تُستخدم لتعطيل الضمير

يستحضر بارتوف مفهوم «تفاهة الشر» لدى حنة أرندت لتفسير العجز عن تخيل النتائج الأخلاقية للأفعال، أو رفض التفكير فيها. كما يشير إلى تجارب ستانلي ميلغرام حول الطاعة، موضحاً كيف يدفع وجود سلطة تصدر التعليمات بعض الأشخاص إلى الاستمرار في إيقاع الأذى، لأنهم يتعاملون مع المسؤولية باعتبارها واقعة على من أمرهم.

وفي الفيلم، يستعيد أحد المشاركين تعليمات تلقاها بضرورة الثقة بالمنظومة. وتكتسب هذه العبارة معناها من أنها تطلب من الفرد تسليم حكمه الأخلاقي للمؤسسة، وقبول أن ما تقرره صحيح أو ضروري، حتى عندما يستطيع إدراك أن النتيجة ستكون قتل مدنيين.

يرفض بارتوف تحويل هذا الخضوع إلى عذر، ويستحضر رفض محاكمات نورمبرغ الاكتفاء بالدفاع القائم على تنفيذ الأوامر. فالانتظام داخل جهاز رسمي لا يمحو مسؤولية الشخص عن أفعاله، ولا يحوّل الفعل المدمر إلى سلوك مقبول لمجرد أنه خضع لإجراءات وموافقات داخلية.

الشهادة تكشف المسؤولية ولا تمحوها

يرحب بارتوف بخروج المشاركين إلى الكلام، لأن شهاداتهم تتيح فهماً نادراً لما يحدث داخل مؤسسات تعمل في السر، وتحجب عادة تفاصيل دورها خلف أخبار العمليات العسكرية. وتضيف رواياتهم إلى التحقيقات الصحفية السابقة وصفاً من الداخل للطريقة التي نُفذت بها المراقبة والاستهداف، وللمشاعر والتبريرات التي صاحبت العمل.

ويصنع تصوير المقابلات على أسطح المباني ليلاً في تل أبيب تناقضاً مؤلماً مع مضمونها؛ ففي الشقق المحيطة يشاهد الناس التلفاز ويعدّون الطعام ويعيشون تفاصيلهم اليومية، بينما يروي المتحدثون كيف شاركوا في إنهاء حياة أشخاص يمارسون التفاصيل الإنسانية نفسها في غزة.

تضع هذه الشهادات المسؤولية أمام أصحابها بأوضح صورة: كانت هناك معرفة، وحسابات، وقرارات، وأشخاص ينجزون العمل ثم ينتقلون إلى ما يليه. والهدوء في وصف القتل، والتعليم الجيد، والمهارة التقنية، والشعور بالنجاح المهني، كلها لا تخفف فداحة ما وقع؛ بل تكشف كيف تستطيع مؤسسة أن تجعل تدمير حياة الآخرين عملاً يومياً يؤديه أشخاص يرون أنفسهم عاديين.