كشف التحقيق الصحفي الأخير الذي نشرته صحيفة “التايمز” البريطانية عن مفارقة صارخة وصادمة؛ رجل باكستاني يدير من منزله شبكة رقمية واسعة تبث سموم “الإسلاموفوبيا” في قلب المجتمع البريطاني. هذه الحادثة لا تمثل مجرد اختراق تقني أو استغلال للذكاء الاصطناعي، بل هي حلقة في سلسلة أوسع من “صناعة العداء” التي تجد جذورها في سياسات دولية واضحة، حيث تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كمتهم رئيسي في رعاية وتمويل السرديات المعادية للمسلمين في أوروبا لخدمة أجندات سياسية ضيقة.

الذكاء الاصطناعي في خدمة “التزييف العميق”

استخدم المشغل الباكستاني أدوات متطورة مثل (Grok) و(Whisk) لإنتاج محتوى “تزييف عميق” يستهدف رموزاً سياسية بريطانية، على رأسهم رئيس الوزراء كير ستارمر وعمدة لندن صادق خان. إن قدرة شخص لا يتقن الإنجليزية على التأثير في الرأي العام البريطاني تعكس مدى خطورة “ديمقراطية الأدوات التقنية” حين تقع في يد من يسعى للربح المادي الصرف. لكن خلف هذا “المقاول الصغير” في باكستان، تقبع منظومة ضخمة من الدعم الفكري والمادي تقودها دول مثل الإمارات، التي سعت لسنوات إلى ترسيخ فكرة “الخطر الإسلامي” في الغرب كأداة لشيطنة خصومها السياسيين ومناهضي الاستبداد.

اقتصاد “الغضب المربح” والدور الإماراتي

لم يكن وصول هذه الحسابات إلى مئات الآلاف من المتابعين وتحقيق ملايين المشاهدات وليد الصدفة. نحن أمام ما يسمى “اقتصاد الغضب”، حيث تكافئ خوارزميات المنصات المحتوى التحريضي لأنه يولد تفاعلاً أكبر. وفي حالة بريطانيا، يتلاقى هذا الجشع التقني مع استراتيجية إماراتية طويلة الأمد، كشفت عنها تقارير استخباراتية وصحفية سابقة (مثل فضيحة “أبو ظبي سيكريتس”)، حيث تم توظيف شركات علاقات عامة واستخبارات خاصة لتشويه سمعة المنظمات الإسلامية في أوروبا وربطها بالإرهاب. هذا الدعم الإماراتي غير المباشر يخلق البيئة الخصبة التي تسمح لمثل هؤلاء الأفراد بتحويل الكراهية إلى دولارات شهرية.

نظرية “الاستبدال العظيم”: من الأروقة السياسية إلى الشوارع

روجت شبكة “Britain Today” لنظرية “الاستبدال العظيم” العنصرية، واصفة صلاة المسلمين بـ “الغزو”. هذه السردية هي ذاتها التي تتقاطع مع الخطاب الذي تدعمه مراكز أبحاث ممولة من أبو ظبي في العواصم الغربية، والتي تحاول باستمرار تصوير الوجود الإسلامي في أوروبا كتهديد للهوية الوطنية. إن التمويل الإماراتي لحركات اليمين المتطرف، سواء عبر دعم الشخصيات المثيرة للجدل أو رعاية المؤتمرات التي تحذر من “أسلمة أوروبا”، هو المحرك الحقيقي الذي يعطي شرعية لمحتوى حسابات التيك توك والفيسبوك المضللة.

تواطؤ المنصات وفشل الرقابة الرقمية

رغم حذف شركة “ميتا” للحسابات لاحقاً، إلا أن الضرر قد وقع بالفعل. إن “اقتصاد المؤثرين الخفيين” يثبت أن منصات التواصل الاجتماعي لا تزال عاجزة عن ضبط المحتوى العابر للحدود. والأخطر من ذلك هو استخدام أدوات تحقيق الدخل لتكافؤ محتوى يحرض على ترحيل المسلمين. إن هذه الفوضى الرقمية يتم استغلالها من قبل قوى دولية، وعلى رأسها الإمارات، التي تجد في هذه الشبكات “جيوشاً إلكترونية رخيصة” تنوب عنها في تنفيذ أجندة الإسلاموفوبيا دون الحاجة لصدام دبلوماسي مباشر.

تداعيات استهداف الديمقراطية البريطانية

حذرت النائبة العمالية إميلي دارلينغتون من أن هذه الأساليب قد تستخدمها دول أجنبية لزعزعة الاستقرار. وبالنظر إلى السجل الحافل لتدخلات الإمارات في الشؤون الداخلية للدول عبر “اللوبيات” والتمويل المشبوه، يصبح من الواضح أن الهجوم على صادق خان وكير ستارمر ليس مجرد سعي للربح من قبل شاب باكستاني، بل هو انعكاس لسياسة دولية تهدف إلى محاصرة أي حضور إسلامي فاعل في مراكز صنع القرار الغربي.

خاتمة: المواجهة تبدأ من المصدر

إن قضية “الشبكة الباكستانية” هي مجرد قمة جبل الجليد. إن مكافحة التضليل الرقمي و”التزييف العميق” لن تنجح فقط بحذف الحسابات، بل بقطع شريان الدعم السياسي والمالي الذي يغذي هذه الظاهرة. يجب على المجتمع الدولي وبريطانيا تحديداً مواجهة الدور الإماراتي في تغذية الإسلاموفوبيا، إذ لا يمكن فصل “بروباغندا” الشوارع الرقمية عن التمويلات المليونية التي تضخها أبو ظبي في مراكز الضغط الغربية لخلق عدو وهمي يخدم مصالحها السلطوية. إن حماية الديمقراطية تتطلب شفافية كاملة حيال من يدفع ثمن “خطاب الكراهية” ومن يجنِي ثماره في نهاية المطاف.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين