كشفت صحيفة هآرتس العبرية في افتتاحيتها، عن توجيه مباشر من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لجيشه بـ “هدم غزة من جذورها”، في خطوة لا تحمل فقط أبعادًا عسكرية، بل تنطوي على رؤية استعمارية أوسع لتحويل القطاع إلى ما وصفته الصحيفة بـ”غنيمة عقارية” لصالح ضباط الشرطة والجيش.

هذا التوجه، الذي يتماهى مع مقترحات وزراء متطرفين كإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، يكشف أن خطاب الاحتلال حول “القضاء على حماس” و”تحرير الرهائن” مجرد غطاء إعلامي لمشاريع استيطانية تهدف إلى محو غزة ككيان فلسطيني مكتظ باللاجئين.

البعد العقاري: غزة كـ”غنيمة استثمارية”

بحسب هآرتس، فإن الخطة التي يروج لها وزراء نتنياهو لا تقتصر على تدمير بنية القطاع، بل تمتد إلى إعادة استثمار الأرض في مشاريع سكنية إسرائيلية، وهو ما وصفه سموتريتش علنًا خلال مؤتمر عقاري في تل أبيب. فقد أعلن الوزير المتطرف أن “إعادة إعمار غزة ستصبح استثمارًا مربحًا بعد مرحلة الهدم”، مضيفًا أن الخطة مطروحة بالفعل على مكتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في إطار تفاهمات لتقاسم العوائد على الأرض. هذه التصريحات تعكس بوضوح ذهنية استعمارية ترى في مآسي الفلسطينيين فرصة اقتصادية، وتحوّل مأساة إنسانية يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني إلى صفقة عقارية مربحة.

نتنياهو وترامب: تحالف على حساب غزة

خطورة الأمر لا تكمن فقط في تطرف شخصيات كسموتريتش أو بن غفير، بل في صمت نتنياهو وعدم اعتراضه على هذه الخطط، ما يشي بتبنيها ضمنيًا. الأخطر أن ترامب، الذي سبق ودعم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وبارك التوسع الاستيطاني، يبدو شريكًا مباشرًا في هذه التصورات. فالمفاوضات التي أشار إليها سموتريتش مع الإدارة الأمريكية تكشف أن المشروع لا يقتصر على طموح محلي، بل على تواطؤ دولي لإضفاء شرعية سياسية واقتصادية على ما يعد جريمة حرب وجريمة تطهير عرقي.

جريمة دولية معلنة

ما حذرت منه هآرتس في افتتاحيتها، أن أي خطة لاحتلال القطاع وتطهيره سكانيًا تمثل جريمة دولية صريحة، خصوصًا أن سكان غزة هم بمعظمهم من لاجئي 1948 الذين أُجبروا على مغادرة أراضيهم في النكبة. إن التهديد بإعادة تهجيرهم أو تحويل أراضيهم إلى مشاريع استيطانية لا يختلف كثيرًا عن ما جرى قبل أكثر من سبعة عقود، ما يرسخ استمرار النهج الاستعماري الإسرائيلي. هذه التصريحات تفضح حقيقة أن ما يجري ليس “حربًا ضد الإرهاب” كما يروج الاحتلال، بل محاولة ممنهجة لمحو غزة من الخريطة وإلغاء حق العودة.

الموقف الفلسطيني: إدانة وتحذير

وزارة الخارجية الفلسطينية نددت بشدة بهذه المخططات، معتبرة أن تصريحات سموتريتش تمثل اعترافًا علنيًا بمشاريع الإبادة والتهجير الجماعي. كما أكدت أن مثل هذه التصريحات تكشف إفلاس الحكومة الإسرائيلية أخلاقيًا وسياسيًا، وتؤكد أن العدوان المتواصل ليس ردًا أمنيًا، بل سياسة استراتيجية تهدف إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه. واعتبرت الخارجية أن استمرار الصمت الدولي يشكل ضوءًا أخضر للاحتلال لمواصلة جرائمه.

ازدواجية الخطاب 

من اللافت أن حكومة نتنياهو تروج خارجيًا لشعارات “تدمير حماس” و”استعادة الرهائن”، بينما في الداخل يتم تداول خطط اقتصادية واستيطانية لإعادة تشكيل غزة. 

هذه الازدواجية تكشف أن الهدف الحقيقي أبعد من القضاء على فصيل مقاوم؛ إنه مشروع استيطاني استعماري يستهدف الأرض والإنسان معًا. نتنياهو، الذي يواجه أزمات سياسية داخلية ومحاكمات فساد، يحاول أن يقدّم لجمهوره اليميني المتطرف “انتصارًا” عبر القضاء على غزة وتحويلها إلى فرصة عقارية، في محاولة للهروب إلى الأمام.

تداعيات دولية وإنسانية

إن مضي الاحتلال في تنفيذ هذه المخططات لن يمر دون تداعيات دولية كبرى. فمن جهة، ستجد إسرائيل نفسها في مواجهة اتهامات مباشرة بارتكاب جرائم تطهير عرقي جديدة، ما قد يفتح الباب أمام ملاحقات قضائية دولية. ومن جهة أخرى، فإن أي محاولة لتحويل غزة إلى مشروع استيطاني ستحول المنطقة إلى بؤرة صراع مفتوحة، وستدفع بموجات نزوح جديدة تهدد استقرار مصر ودول الجوار. كما أن التواطؤ الأمريكي، إن تأكد، سيقوّض ما تبقى من صورة واشنطن كوسيط دولي، ويؤكد أنها شريك مباشر في الجرائم بحق الفلسطينيين.

خاتمة: غزة بين مطرقة الاحتلال وصمت العالم

تصريحات نتنياهو ووزرائه، وصمت الإدارة الأمريكية، تكشف أن ما يتعرض له قطاع غزة ليس مجرد حرب عابرة، بل حلقة جديدة في مسلسل الإبادة والاقتلاع. تحويل الأرض إلى “غنيمة عقارية” وإلغاء وجود أكثر من مليوني فلسطيني هو جريمة معلنة تتطلب موقفًا دوليًا حازمًا. غير أن الواقع الحالي يشي بأن العالم يكتفي بالتنديد اللفظي، ما يمنح الاحتلال ضوءًا أخضر لمواصلة هدم غزة من جذورها. السؤال الأخطر: هل ستبقى غزة وحيدة في مواجهة تحالف نتنياهو وترامب، أم أن هذا المخطط الاستعماري سيوقظ ضميرًا دوليًا غائبًا قبل فوات الأوان؟

خلاصة تحليلية: نتنياهو لا يسعى فقط لـ”القضاء على حماس”، بل يخطط لتحويل غزة إلى ورقة استثمارية عقارية، بغطاء أمريكي من إدارة ترامب، وبمشاركة وزراء متطرفين كسموتريتش وبن غفير. هذه ليست حربًا على “الإرهاب” بل مشروع إبادة وتهجير ممنهج، يعيد إنتاج النكبة بأدوات جديدة.

اقرأ أيضًأ : لا موسيقى للإبادة.. 400 فنان عالمي يضعون إسرائيل في عزلة ثقافية