في تطور مفاجئ يعكس استمرار حالة الجدل والانقسام داخل إسرائيل، أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأحد أنه لن يحضر جلسة محاكمته يوم الاثنين بدعوى إصابته بـ”التهاب معوي” إثر تناوله طعاماً فاسداً. وجاء في البيان الرسمي أن نتنياهو “شعر بتوعك ليلاً”، وأن البروفيسور ألون هيرشكو من مستشفى هداسا عاينه وأكد تعرضه للتسمم الغذائي، مما استوجب خضوعه للعلاج بالمحاليل الوريدية في المنزل.

وأوضح البيان أن رئيس الوزراء سيغيب عن العمل لمدة ثلاثة أيام، لكنه “سيواصل إدارة شؤون الدولة من مقر إقامته”، في محاولة لإعطاء الطابع الإداري الاعتيادي على تغيبه المفاجئ عن جلسة محاكمة كان من المفترض أن يواجه فيها استجواباً قضائياً ضمن قضايا الفساد المتهم بها منذ سنوات.

تزامن الغياب مع بداية عطلة صيفية للمحاكم الإسرائيلية، ما يعني عملياً تعطيل مسار المحاكمة حتى سبتمبر/أيلول المقبل. وهنا يبرز التساؤل: هل هو مجرد “عَرَض صحي طارئ”، أم خطة مدروسة لإطالة أمد المحاكمة وخلق ظروف سياسية وقضائية مواتية لهروب نتنياهو من مواجهة العدالة؟

تشكيك واسع.. ومراسلة “هآرتس” تتهمه بالمراوغة

ردود الفعل داخل إسرائيل لم تتأخر، إذ أثار إعلان نتنياهو موجة من السخرية والشكوك، خاصة في الأوساط القانونية والإعلامية. وذهبت الصحفية الإسرائيلية البارزة يعيل فريدسون، مراسلة الشؤون القضائية في صحيفة “هآرتس”، إلى القول صراحة إن “المرض المفاجئ” الذي أُعلن عنه لا يعدو كونه استمراراً لما وصفته بـ”تكتيكات التهرب من المحاكمة”.

فريدسون كتبت على منصة “إكس” (تويتر سابقاً):

“إعلان نتنياهو عن مرضه بسبب طعام فاسد هو استمرار لمحاولاته التهرب من الاستجواب”.

وأشارت إلى ضرورة أن يتخذ القضاة إجراءات استثنائية، مثل تحديد جلسات محكمة إضافية خلال العطلة القضائية، تفادياً لأي محاولة للإفلات من العقاب أو تمييع الإجراءات القضائية تحت ذرائع صحية أو أمنية.

وبالعودة إلى سجل نتنياهو القضائي، فقد سبق أن استخدم ظروفاً سياسية أو صحية لتأجيل محاكمته، مستفيداً من موقعه التنفيذي ومن الأزمات السياسية الداخلية مثل العدوان على غزة، أو الخلافات داخل الائتلاف الحاكم. لكن الجديد هذه المرة أن “ذريعة الطعام الفاسد” بدت أكثر سذاجة أمام رأي عام يزداد انقساماً وسخطاً، خصوصاً في ظل توالي ملفات الفساد وارتفاع الأصوات المطالبة بتنحيه.

قضايا فساد.. ومذكرة اعتقال دولية تطارده

غياب نتنياهو الأخير يأتي في سياق معقد لا يخلو من الأزمات القانونية والسياسية، إذ يواجه منذ عام 2019 سلسلة من التهم الجنائية تشمل الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة في ثلاث قضايا معروفة باسم “الملفات 1000، 2000، و4000”. وفي حال إدانته، قد يواجه أحكاماً بالسجن، ما يضع مستقبله السياسي على المحك رغم محاولاته المستميتة للبقاء في السلطة وتحصين نفسه عبر التحالف مع قوى اليمين المتطرف.

لكن الأمر لم يعد محصوراً في الداخل الإسرائيلي؛ فقد تصاعد الضغط الدولي على نتنياهو منذ إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 إصدار مذكرة توقيف بحقه. المذكرة تتهمه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال عدوانه المستمر على قطاع غزة، خاصة في الفترة التي أعقبت 7 أكتوبر 2023، والتي شهدت حملة عسكرية دموية أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم من المدنيين.

مذكرة التوقيف هذه تجعل من نتنياهو، فعلياً، “هارباً من العدالة الدولية”، حتى لو لم تنفذ بحقه بعد، وتضع إسرائيل في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، خاصة وأنه ما يزال على رأس السلطة في تل أبيب رغم اتهامات بحجم الإبادة.

نتنياهو بين القضاء والإفلات من العقاب

يعتمد نتنياهو منذ سنوات على استراتيجية مزدوجة: الهروب إلى الأمام عبر تصعيد سياسي وعسكري، ومحاولة الالتفاف على القضاء المحلي والدولي. فمن جهة، يواصل إذكاء الصراع مع الفلسطينيين لتحقيق تماسك داخلي بين جمهور اليمين، ومن جهة أخرى، يسعى لتجميد أو عرقلة محاكمته عبر التأجيل المستمر واستثمار أزمات مصطنعة.

غير أن الملاحظ في الأسابيع الأخيرة هو تضييق الخناق عليه محلياً ودولياً، خاصة بعد تزايد الأصوات المنادية بإقالته، واستفحال الأزمة الإنسانية في غزة التي تنسب إليه مباشرة، والضغط الأوروبي المتزايد لمحاكمته.

ولعل تغيبه الأخير عن المحاكمة بذريعة “طعام فاسد” هو مجرد حلقة جديدة في سلسلة من المناورات السياسية التي لن تنطلي طويلاً، خصوصاً مع تنامي الانتقادات داخل إسرائيل من شخصيات قانونية، وصحفيين، بل وحتى من أعضاء سابقين في حكومته، اعتبروا أن نتنياهو لم يعد يمثل “الدولة الديمقراطية” بل مشروعاً شخصياً للبقاء في الحكم مهما كلف الثمن.

خاتمة: مسرحية مستمرة أم بداية النهاية؟

قد يكون غياب نتنياهو عن المحكمة هذه المرة محاولة لربح الوقت، لكنها تكشف حجم المأزق الذي يعيشه الرجل الذي كان يُلقب بـ”ملك إسرائيل”. لم يعد في جعبته الكثير من الأوراق، بينما تزداد خيوط التلاعب التي نسجها حول نفسه انكشافاً. ومع اقتراب سبتمبر واستئناف المحاكمات، سيجد نتنياهو نفسه في مواجهة شرسة مع القضاء، ومع شعب لم يعد يثق في سردياته المتكررة.

أما الذريعة الصحية، فربما تدخل أرشيف التاريخ كواحدة من أكثر محاولات التهرب السياسي سخرية، من زعيمٍ أدمن اللعب على كل الحبال، لكن جسده -وربما إرادة الشارع والقانون- بدأ يخذله أخيراً.

اقرأ أيضًا : مستشار محمد بن زايد يبرئ إسرائيل ويهاجم حماس: غضب عارم من خيانة عبد الخالق عبد الله