في خطوة تكشف عمق التحول الأيديولوجي في الخطاب السياسي الإسرائيلي، أطلق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حملة توراتية-سياسية غير مسبوقة، جعل فيها المواجهة المفتوحة مع إيران صراعًا مقدسًا يرتكز على نبوءات وأساطير دينية توراتية، في محاولة لصياغة صراعه الاستراتيجي مع طهران كامتداد لملحمة تاريخية مقدّسة.

استدعاء “قورش الكبير”: تلاعب بالتاريخ وبالرموز الفارسية

في مقابلة مع قناة “إيران إنترناشيونال”، استحضر نتنياهو شخصية قورش الكبير، مؤسس الإمبراطورية الأخمينية، بوصفه الحاكم الفارسي الذي “حرّر اليهود من السبي البابلي”، وفق الرواية اليهودية، معتبرًا أن الوقت قد حان للشعب الإيراني كي “يتحرر من نظامه المستبد كما تحرر اليهود قديمًا”.

هذه المقارنة الرمزية لم تكن بريئة، بل تهدف إلى:

  • خلق رابط نفسي بين إيران ما قبل الثورة و”إسرائيل” عبر استحضار صورة إيجابية للفرس في الذاكرة التوراتية.

  • شيطنة النظام الإيراني الحالي بوصفه امتدادًا للظلم البابلي، في مقابل الدور “التحريري” المفترض لقورش.

لكن المفارقة كانت في الرد الإيراني السريع، حيث نشر التلفزيون الرسمي صورة لـ”قورش” بجانب جندي إيراني معاصر، في رسالة فخر مضادة، مفادها أن الوريث الحقيقي لقورش هو الجمهورية الإسلامية، لا الاحتلال الصهيوني.

 “الأسد الصاعد”.. توراة تتحول إلى عملية عسكرية

لم يكتفِ نتنياهو بالاستشهاد بقورش، بل ذهب إلى إعادة تأويل النصوص الدينية لخدمة العمليات العسكرية. ففي مسابقة التناخ اليهودية، اقتبس آية من “سفر العدد” تقول:

“شعب يقوم كأسد، ينهض كملك الوحوش”

وأطلق على العملية العسكرية ضد إيران اسم “الأسد الصاعد” (Am K’lavi).

هذا الاستخدام الرمزي يُراد منه ترسيخ صورة الاحتلال كـ”شعب مفوض إلهيًا بالقوة والحسم”، وتكريس وهم أنه يخوض معركة خلاص توراتي لا مجرد نزاع سياسي أو عسكري.

 “عماليق” و”يأجوج ومأجوج”: تأصيل للشيطنة والإبادة

استراتيجية نتنياهو لا تتوقف عند الرموز التاريخية، بل تتورط في خطاب كراهية تدميري ديني، مثل:

  • “عماليق”: وهي قبيلة وردت في التوراة باعتبارها “عدوًا أبديًا” لبني إسرائيل، يأمر النص التوراتي بإبادتها بالكامل. وقد استخدم نتنياهو هذا المصطلح ضد غزة، ثم وسّعه ليشمل إيران.

  • “يأجوج ومأجوج”: وهي نبوءة من سفر حزقيال عن معركة “نهاية الزمان”، حيث يستولي “أعداء الله” على القدس ويأتي الخلاص الإلهي بعد معركة كونية. وبدأ حاخامات الاحتلال مؤخراً بربط إيران بهذه النبوءة لتبرير الحرب الوجودية ضدها.

بهذه الاستدعاءات، يسعى نتنياهو إلى شيطنة إيران دينيًا وتحويل أي حلّ سياسي معها إلى خيانة للوصايا المقدسة.

 “غزة كنموذج”: الدين سلاح للإبادة الجماعية

العدوان على غزة لم يكن بمنأى عن هذا الخطاب. فقد استُخدمت نبوءات ونصوص دينية لتبرير حرب الإبادة التي أودت بحياة أكثر من 55 ألف فلسطيني. ومن أبرز الأمثلة:

  • إيتمار بن غفير قال إن الحرب على غزة “جزء من الخلاص الإلهي”.

  • عضو الكنيست بوعاز بيسموث دعا إلى “محو ذكر عماليق”.

  • الحاخام دوف ليور أفتى في 2014 بـ”هدم غزة بالكامل”.

  • الحاخام إيليا مالي قال: “ليست كل نفس يجب أن تبقى على قيد الحياة”.

هذا التماهي بين النصوص التوراتية والسياسة الواقعية يُحوّل الجيش الإسرائيلي إلى أداة دينية “مقدسة”، ويشرعن كل جريمة تحت غطاء النبوءة.

 هل نشهد صراعًا لاهوتيًا جديدًا في الشرق الأوسط؟

ما يقوم به نتنياهو وحكومته اليوم ليس مجرد بروباغندا، بل هو تحويل الصراع السياسي والعسكري إلى حرب دينية مقدسة، على غرار “حروب الخلاص” في العصور الوسطى. وهذا يُهدد ليس فقط إيران أو فلسطين، بل استقرار المنطقة بأكملها.

هذا التصعيد في الخطاب الديني:

  • يُغلق الباب أمام أي تسوية سياسية قائمة على المصالح المتبادلة.

  • يُطلق يد التطرف الديني داخل “إسرائيل” وخارجها.

  • يُحوّل الصراع إلى حرب هوية وجودية بلا أفق للسلام.

 خلاصة تحليلية:

  • نتنياهو لا يواجه إيران فقط، بل يسعى إلى تقديم نفسه كـ”محقق نبوءات”، يقود حربًا مقدسة باسم التاريخ والدين.

  • تحويل الصراع إلى نص توراتي يُحوّل “إسرائيل” إلى دولة دينية متطرفة، لا ديمقراطية غربية كما تزعم.

  • خطر هذا الخطاب لا يتوقف عند إيران أو فلسطين، بل يفتح بوابة جحيم على المنطقة عنوانها:

    “نهاية العالم كما يراها المتطرفون في تل أبيب”.