استقبل رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، في زيارة رسمية تحمل أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، وتفتح الباب أمام تعاون أوسع في ملفات الأمن والدفاع والتكنولوجيا والطاقة والاستثمار، بالتوازي مع اهتمام إسرائيلي متزايد بثروات الكونغو المعدنية الهائلة.
وخلال الزيارة، عقد تشيسيكيدي لقاءات مع نتنياهو ورئيس الاحتلال إسحاق هرتسوغ، واتفق الجانبان على تعزيز التعاون في قطاعات الأمن والدفاع والزراعة والأمن الغذائي وإدارة المياه والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والابتكار والاستثمار. ووصف نتنياهو العلاقة مع الرئيس الكونغولي بأنها «صداقة عظيمة»، في مؤشر على الأهمية التي توليها تل أبيب لتوسيع حضورها داخل القارة الأفريقية.
وتأتي الزيارة في وقت تواجه فيه إسرائيل ضغوطاً وعزلة سياسية متزايدة على خلفية حربها على قطاع غزة، ما يجعل بناء تحالفات جديدة داخل أفريقيا أكثر أهمية بالنسبة لها، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل أيضاً على مستوى كسب مواقف وأصوات داعمة في المؤسسات الدولية والأمم المتحدة.
وتكمن القيمة الاستراتيجية الكبرى للكونغو الديمقراطية في ثرواتها الطبيعية الضخمة؛ إذ يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، بينما تعد واحدة من أغنى دول العالم بالمعادن، وفي مقدمتها الكوبالت والنحاس والليثيوم والكولتان والذهب والمعادن النادرة التي تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة.
وتشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أن الكونغو الديمقراطية أنتجت نحو 230 ألف طن من الكوبالت خلال عام 2025، بما يعادل قرابة 73% من الإنتاج العالمي، وهو ما يجعلها لاعباً محورياً في سوق معدن بات أساسياً لصناعة البطاريات المتقدمة والسيارات الكهربائية والتكنولوجيا العسكرية.
ولا تقتصر أهمية الكوبالت على الاستخدامات المدنية، إذ يدخل أيضاً في بطاريات الطائرات المسيّرة وأنظمة الاتصالات العسكرية والأقمار الصناعية والمركبات العسكرية، إضافة إلى السبائك المستخدمة في محركات الطائرات المقاتلة وتوربينات السفن الحربية وبعض مكونات الصواريخ، وهو ما يمنح التقارب الإسرائيلي مع كينشاسا بعداً استراتيجياً يتجاوز العلاقات التجارية التقليدية.
كما تمتلك الكونغو احتياطيات ضخمة من النحاس، أحد المعادن الأساسية في شبكات الكهرباء ومراكز البيانات والطاقة المتجددة وصناعة السيارات الكهربائية، فضلاً عن الليثيوم والكولتان ومعادن أخرى تتنافس عليها القوى الكبرى في ظل السباق العالمي للسيطرة على سلاسل توريد الصناعات المتقدمة.
في المقابل، تسعى حكومة تشيسيكيدي إلى الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في مجالات الأمن والاستخبارات والمراقبة والطائرات المسيّرة وحماية الحدود والتدريب العسكري، خصوصاً في ظل استمرار الاضطرابات والصراعات المسلحة في شرقي البلاد. كما ترغب كينشاسا في جذب استثمارات وتكنولوجيا إسرائيلية في قطاعات الزراعة والمياه والصحة والاقتصاد الرقمي.
وقال تشيسيكيدي إن بلاده تريد منح التعاون مع إسرائيل «بعداً جديداً»، يشمل الزراعة والأمن الغذائي والمياه والصحة والتكنولوجيا والابتكار والأمن والتدريب والاستثمار، مؤكداً أن هدفه بناء شراكة عملية تقاس بنتائجها وليس بمجرد الاتفاقيات الموقعة.
وتعكس الزيارة بذلك تقاطعاً واضحاً للمصالح بين الطرفين؛ فإسرائيل تبحث عن نفوذ سياسي جديد داخل أفريقيا ووصول أكبر إلى دولة تسيطر على جزء ضخم من المعادن الاستراتيجية عالمياً، بينما تبحث الكونغو الديمقراطية عن شريك يوفر لها التكنولوجيا الأمنية والعسكرية والاستثمارات.
لكن التقارب يكتسب بعداً سياسياً إضافياً بسبب توقيته؛ إذ تتحرك تل أبيب لتوسيع شبكتها الدبلوماسية في القارة الأفريقية في الوقت الذي تتعرض فيه لانتقادات دولية واسعة بسبب الحرب على غزة، وهو ما يجعل الكونغو بالنسبة إليها شريكاً مهماً ليس فقط بسبب ما تحت أرضها من معادن، وإنما أيضاً بسبب وزنها السياسي والدبلوماسي المتزايد داخل أفريقيا.
وبذلك تبدو زيارة تشيسيكيدي جزءاً من استراتيجية إسرائيلية أوسع تسعى إلى تحويل الثقل الاقتصادي والمعدني للدول الأفريقية إلى شراكات سياسية وأمنية طويلة الأمد، في معركة نفوذ تتداخل فيها المعادن النادرة بالتكنولوجيا العسكرية، والاستثمارات بالمواقف السياسية في المحافل الدولية.