رغم النداءات المتكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب على قطاع غزة، أتت أفعال الاحتلال الإسرائيلي لتؤكد عكس ذلك، إذ واصلت قواته قصفها العنيف على مختلف مناطق القطاع خلال الساعات الماضية، مستهدفة المنازل والمنشآت المدنية، وموقعة عشرات الشهداء والجرحى، في مشهد يعكس استهتار رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بكل الوساطات والجهود الدولية الرامية إلى تطبيق خطة وقف إطلاق النار.

تدمير متواصل.. وجامعة الأزهر تحت الركام
في واحدة من أكثر الليالي دموية منذ الإعلان عن خطة ترامب، دمرت طائرات الاحتلال الإسرائيلي مباني جامعة الأزهر في مدينة غزة بالكامل، وهي من أقدم وأعرق المؤسسات الأكاديمية الفلسطينية، ما أثار صدمة وغضبًا واسعين في الأوساط الفلسطينية والعربية. وشهدت مناطق مدينة غزة، ومخيم الشاطئ، وخان يونس، ورفح قصفًا مكثفًا طال الأحياء السكنية، وسط أحزمة نارية مدمرة حوّلت الشوارع إلى أطلال.
وقال شهود عيان إن الاحتلال استخدم سياسة “الأرض المحروقة”، إذ لم يكتفِ بالقصف الجوي، بل نفذ عمليات توغل محدودة وإطلاق نار عشوائي على المدنيين الفارين من مناطق القتال. وأكدت وزارة الصحة في غزة أن عدد الشهداء ارتفع بشكل كبير خلال الساعات الأخيرة، بينهم أطفال ونساء، فيما لا تزال فرق الدفاع المدني عاجزة عن انتشال جثث عالقة تحت الأنقاض بسبب القصف المتواصل ونقص المعدات.
وتأتي هذه الجرائم بعد أيام فقط من إعلان حركة حماس موافقتها على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب، في خطوة فاجأت العواصم الإقليمية والغربية بمرونتها السياسية واستعدادها للتعاطي مع المبادرة. إلا أن الاحتلال ردّ على هذه المبادرة بمزيد من النار والدمار، في رسالة تحدٍّ واضحة لكل الوسطاء.
نتنياهو يتجاهل الوسطاء ويقوّض فرص الهدنة
تشير التقارير إلى أن الوساطة القطرية والمصرية والأمريكية كانت تأمل في وقف فوري لإطلاق النار لتهيئة الأجواء لتنفيذ خطة ترامب، التي تضمنت الإفراج المتبادل عن الأسرى وإعادة إعمار القطاع وتسليم إدارته لحكومة فلسطينية تكنوقراطية. لكن ما حدث على الأرض يعكس أن نتنياهو لا ينوي الالتزام بأي هدنة، إذ يرى أن التراجع عن الحرب الآن يعني هزيمة سياسية وشخصية له بعد عامين من القتال المستمر.
ووفق مصادر دبلوماسية، فإن الوسطاء نقلوا رسائل واضحة إلى نتنياهو بأن استمرار القصف سيقوّض فرص تطبيق الخطة ويحرج واشنطن أمام الرأي العام الدولي. لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية ردّ برفض قاطع، مؤكدًا أن العمليات ستستمر حتى تحقيق ما سماه “الأهداف الأمنية الكاملة”، وهي عبارة يستخدمها دائمًا لتبرير القتل الجماعي في غزة.
هذا الموقف يعكس تحديًا مباشرًا للرئيس الأمريكي ترامب، الذي طالب علنًا بوقف الحرب فورًا، معتبرًا أن استمرارها بعد موافقة حماس يضعف مصداقية الخطة الأمريكية ويهدد استقرار الشرق الأوسط. لكن نتنياهو، الذي يعيش تحت ضغط داخلي هائل من حلفائه اليمينيين، يفضّل مواصلة الحرب حتى النهاية، حتى لو كلّف ذلك عزله دبلوماسيًا.
واشنطن في مأزق وتآكل الثقة في إسرائيل
في واشنطن، بدأ الموقف الإسرائيلي يثير غضبًا في أروقة الإدارة الأمريكية، إذ اعتبر مستشارون في البيت الأبيض أن نتنياهو يُهين الرئيس الأمريكي علنًا، ويتصرف وكأن القرار بيده وحده. وقالت مصادر أمريكية إن ترامب تلقى اتصالات من قادة أوروبيين وعرب حثّوه على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل، لأن استمرار القصف بعد مبادرة السلام يُفقد واشنطن قدرتها على قيادة الملف.
وفي هذا السياق، دعت فرنسا وإسبانيا والأمم المتحدة إلى وقف فوري لإطلاق النار، بينما حذرت تركيا وقطر من أن استمرار العدوان ينسف أي أمل في التوصل إلى اتفاق دائم، مؤكدة أن العالم يشهد “استهانة إسرائيلية غير مسبوقة بالإرادة الدولية”.
ويرى مراقبون أن تجاهل نتنياهو للوسطاء لم يعد مجرد مناورة سياسية، بل تحول إلى سياسة ممنهجة لفرض أمر واقع في غزة قبل أي مفاوضات محتملة. فالحكومة الإسرائيلية تسعى لتدمير كل بنية تحتية يمكن أن تساعد في إدارة القطاع لاحقًا، ما يعني أنها تجهز المسرح لمرحلة ما بعد الحرب على طريقتها الخاصة، متجاهلة الإرادة الأمريكية والفلسطينية والعربية على حد سواء.
غزة تدفع الثمن والإنسانية تصرخ
بينما تتقاذف القوى الكبرى الاتهامات، يعيش أهالي غزة المأساة بصمت. مئات الآلاف نزحوا من بيوتهم إلى مدارس مهدمة أو خيام ممزقة، والمستشفيات تعمل فوق طاقتها في ظل نقص حاد في الأدوية والمياه والطعام. وأكدت وزارة الصحة أن “الوضع الإنساني بلغ مرحلة الانهيار الكامل”، في وقت تتعرض فيه قوافل الإغاثة للقصف أو المنع من المرور.
ويقول محللون إن إصرار نتنياهو على المضي في الحرب رغم موافقة حماس والضغط الأمريكي يكشف عن أزمة داخلية عميقة في إسرائيل، حيث بات رئيس حكومتها أسيرًا لحساباته السياسية والتحالفات المتطرفة، غير قادر على التراجع أو الاعتراف بالفشل.
لكن ما لا يدركه نتنياهو، بحسب المحللين، هو أن كل صاروخ يسقط على غزة اليوم يقوّض شرعية إسرائيل أكثر، ويعمّق عزلة حكومته حتى بين حلفائها الغربيين. وبينما تتهاوى المباني في غزة، تتهاوى معها صورة إسرائيل كدولة “ديمقراطية”، ليبقى العالم أمام مشهد واضح: شعب محاصر يُباد، وقيادة إسرائيلية ترفض السلام، ووسطاء عاجزون أمام عناد رجل يرفض الاستماع حتى لحلفائه.
اقرأ أيضًا : شجاعة أسطول الصمود تفضح جبن الاحتلال.. بن غفير يصف المتضامنين بـ”الإرهابيين”