في تصعيد خطير ينذر بكارثة إنسانية أكبر، كشفت شبكة “سي إن إن” الأميركية عن تخطيط حكومة الاحتلال الإسرائيلي لشنّ هجوم بري واسع النطاق على قطاع غزة، بمشاركة أكثر من 50 ألف جندي، في محاولة لاحتلال أجزاء كبيرة من القطاع.

هذه التحركات تأتي في ظل استمرار المفاوضات المتعثرة حول تبادل الأسرى، وإصرار بنيامين نتنياهو على تحقيق “نصر مطلق”، رغم الانقسام الداخلي في إسرائيل والمعارضة الدولية المتزايدة.

وبينما تُحضّر “تل أبيب” لاجتياح جديد، يبقى الفلسطينيون في غزة صامدين في وجه القصف والتجويع والقتل، وسط صمت دولي مريب وتخاذل عربي متواصل.

أولًا: خطة اجتياح واسعة.. رسائل عسكرية أم أوراق ضغط تفاوضي؟

أفادت “سي إن إن”، نقلًا عن مصادر إسرائيلية مطلعة، أن الاحتلال يدرس تنفيذ هجوم بري كبير على غزة، يشمل إرسال عشرات آلاف الجنود، وذلك ضمن سيناريوهات متعددة يتم بحثها في الكواليس السياسية والعسكرية. 

وعلى الرغم من أن جزءًا من هذا التسريب قد يُفهم كتكتيك ضغط على حماس في طاولة المفاوضات، إلا أن التحضيرات الميدانية تؤكد وجود نية حقيقية للتصعيد.

فقد بدأ الجيش الإسرائيلي، بحسب التقرير، باستعادة نصف ممر “نتساريم”، الذي يفصل شمال غزة عن جنوبها، كما عزز وجوده في مناطق محيطة. 

هذه التحركات توازي تصريحات رئيس أركان الجيش، إيال زامير، الذي يقود منذ أسابيع خطط اجتياح محتملة.

ويُفهم من ذلك أن الاحتلال لا يكتفي بالحرب الجوية المؤلمة، بل يسعى إلى “تغيير المعادلة” على الأرض، سواء عبر التهجير أو السيطرة المباشرة.

وفي هذا السياق، أقرت حكومة الاحتلال إنشاء “وكالة للنقل الطوعي” للفلسطينيين، بهدف تسهيل تهجيرهم من القطاع، وهي خطوة تفضح النوايا الحقيقية للعدوان المستمر منذ شهور: تفريغ غزة من سكانها وتغيير هويتها الديمغرافية والجغرافية.

ثانيًا: الانقسام الإسرائيلي.. الأسرى مقابل اجتياح شامل

رغم ما تظهره حكومة الاحتلال من تماسك، إلا أن المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة انقسام غير مسبوقة بين خيارين: اتفاق تبادل أسرى ينهي الحرب، أو مواصلة القتال حتى “الإجهاز” على المقاومة.

فقد أظهر استطلاع رأي حديث أن نحو 75% من الإسرائيليين يؤيدون صفقة تبادل تنهي الحرب، خاصة بعد تحذيرات عائلات الأسرى من أن استئناف العمليات البرية سيعرض حياة الأسرى للخطر.

غير أن هذه الأصوات المعتدلة تصطدم بمواقف متشددة من حلفاء نتنياهو داخل حكومته، مثل وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي لا يخفي دعمه لاحتلال غزة بالكامل. 

كما أشار وزير الحرب يسرائيل كاتس إلى أن “مزيدًا من الرفض من حماس يعني مزيدًا من خسارة الأرض”، في هذا السياق، يراهن نتنياهو على إمكانية كسب الوقت وتوسيع الحرب

الفلسطينيون بين الحصار والصمود

في الوقت الذي يستعد فيه الاحتلال لاجتياح دموي جديد، يعيش سكان غزة كارثة إنسانية متفاقمة، حيث منعت إسرائيل منذ بداية مارس دخول أي مساعدات إنسانية إلى القطاع، ما زاد من حدة الجوع والمرض. وقد حذرت منظمات دولية من أن سكان غزة يواجهون خطر المجاعة الجماعية في ظل الحصار الكامل والهجمات اليومية.

ورغم ذلك، يواصل الفلسطينيون في غزة صمودهم، رافضين الرضوخ للإملاءات أو التخلي عن أرضهم، متحدّين آلة الحرب، وقائلين للعالم إنهم لن يكونوا ضحايا لمعادلات سياسية أو مساومات انتخابية.

لكن الأكثر إثارة للغضب هو الصمت الدولي، والتواطؤ الفاضح لبعض الأنظمة العربية، التي لم تتجاوز دور الوسيط بين الجلاد والضحية. فقد كثفت مصر وقطر جهودهما لإحياء وقف إطلاق النار، لكن دون نتائج ملموسة، بينما لا تزال عواصم عربية مؤثرة تلتزم الصمت تجاه نوايا التهجير القسري واحتلال الأرض.

إن الإصرار الإسرائيلي على اجتياح غزة، رغم التحذيرات المحلية والدولية، يعكس منطق القوة والغطرسة، ويفتح الباب أمام حرب طويلة قد تمتد لسنوات، في ظل غياب أي أفق سياسي حقيقي، وتجاهل المجتمع الدولي لحقوق الفلسطينيين.

إلى أين تتجه الأمور؟

بين تهديدات نتنياهو بالاجتياح وتكتيكات حماس في الصمود والتفاوض، يبقى مصير غزة معلقًا على قرارات متطرفة تُتخذ في تل أبيب، وسط عجز العالم عن إيقاف حمام الدم. 

السيناريو القادم قد يكون الأخطر منذ بداية الحرب، ليس فقط على غزة، بل على المنطقة بأكملها. 

وفي ظل تآكل شرعية الاحتلال داخليًا ودوليًا، قد يتحول هذا التصعيد إلى بداية الانحدار، لا إلى “نصر مطلق” كما يحلم به نتنياهو.

اقرأ أيضًا : استشهاد الصحفيين حسام شبات ومحمد منصور.. جريمة جديدة بحق الإعلام في غزة