في خطوة مفاجئة تعكس هشاشة القرار السياسي داخل حكومة الاحتلال، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلغاء تعيين إيلي شرفيط رئيساً جديداً لجهاز الأمن العام “الشاباك”، بعد أيام فقط من تسميته.

هذه الخطوة، التي جاءت عقب ضغوط داخلية وخارجية، وخاصة من الدوائر المؤيدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول استقلالية القرار الأمني في إسرائيل، ومدى خضوعه للاعتبارات السياسية والأيديولوجية.

 

ضغوط أميركية ومواقف سابقة: الخلفيات التي أطاحت بشرفيط

بحسب ما نقلته إذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن نتنياهو تراجع عن تعيين شرفيط بعد الكشف عن مقال سابق للأخير ينتقد فيه سياسات ترامب بشأن التغير المناخي. 

ولم تمضِ ساعات على إعلان تعيينه حتى بدأ الإعلام الإسرائيلي والغربي بنشر معلومات إضافية عن مواقف شرفيط السياسية، ومنها دعمه لاتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان عام 2022 الذي عارضه نتنياهو بشدة، بالإضافة إلى مشاركته في احتجاجات عام 2023 ضد خطة “إصلاح القضاء” المثيرة للجدل، والتي قوبلت برفض شعبي واسع.

وقد بلغ هذا الجدل ذروته عندما هاجم السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام التعيين صراحة، محذرًا من أن تصريحات شرفيط حول ترامب والإسرائيليين ستثير توترًا في العلاقات بين البلدين. 

وكتب غراهام على منصة “إكس” أن هذا التعيين يمثل “مشكلة كبيرة”، داعيًا حكومة الاحتلال إلى إعادة النظر بمرشحها وتفحص تاريخه السياسي بدقة.

ردّ نتنياهو جاء سريعًا، حيث أعلن عبر بيان صادر عن ديوانه أنه أبلغ شرفيط بإعادة النظر في التعيين، وأنه يفكر في مرشحين آخرين. 

البيان حاول إظهار القرار وكأنه نابع من اعتبارات مهنية، حيث جاء فيه: “نشكر شرفيط على استجابته لنداء الواجب، لكن رئيس الوزراء، بعد المزيد من التفكير، قرر النظر في مرشحين آخرين للمنصب”. 

لكن هذه الصياغة الدبلوماسية لم تُخفِ حقيقة أن القرار كان نتيجة ضغوط سياسية خارجية، ما يعكس هشاشة موقف نتنياهو وتخبطه أمام التوازنات الدولية.

أزمة ثقة وتناقضات واضحة

تأتي هذه التطورات في سياق مضطرب تشهده حكومة الاحتلال، خاصة بعد قرار نتنياهو إقالة رئيس الشاباك الحالي رونين بار، رغم أن المحكمة العليا أصدرت قرارًا بتعليق الإقالة إلى حين البت في المسألة بحلول 8 أبريل. 

هذا القرار أثار احتجاجات واسعة، واتُّهم نتنياهو باستخدام جهاز الأمن العام كأداة سياسية للتخلص من شخصيات لا تتماشى مع رؤيته أو تعارض سياساته.

وإلغاء تعيين شرفيط يضيف طبقة جديدة من الفوضى إلى المشهد، إذ يظهر أن نتنياهو لم يُحسن إدارة عملية الاختيار، ولم يتوقع حجم الاعتراضات على مرشحه.

كما أنه لم يضع في الحسبان أن تعيين شخصية ذات مواقف سياسية واضحة ومعارضة لبعض سياسات الدولة سيشعل جدلاً داخليًا وخارجيًا. 

ويُنظر إلى هذا التراجع على أنه مؤشر جديد على التصدعات داخل مؤسسة الحكم في إسرائيل، حيث بات من الواضح أن القرارات المصيرية تُتخذ ثم تُلغى تحت وطأة الضغوط السياسية والإعلامية، دون تقييم جدي للعواقب.

من ناحية أخرى، تكشف هذه الحادثة حجم التوتر داخل المؤسسة الأمنية ذاتها. فبينما يدّعي نتنياهو أن سبب إقالة رونين بار هو “انعدام الثقة المهنية والشخصية”، فإن الواقع يُظهر أن الخلاف يتعلق بالولاء السياسي وليس بالكفاءة الأمنية.

وهو ما يُثير مخاوف حقيقية حول استقلالية الأجهزة الأمنية وسلامة النظام الديمقراطي في إسرائيل.

ماذا بعد؟ ارتباك إستراتيجي ومؤسسات أمنية على المحك

إلغاء تعيين شرفيط لا يُعد مجرد قرار إداري، بل يمثل عرضاً لأزمة أعمق داخل دولة الاحتلال، حيث تتداخل الحسابات السياسية الداخلية مع الضغوط الخارجية لتحديد من يتولى أخطر المناصب الأمنية. 

وفي الوقت الذي بمر فيه الاحتلال الإسرائيلي بواحدة من أكثر مراحله حساسية، سواء على صعيد الحرب في غزة أو التهديدات الإقليمية المتزايدة، فإن حالة التردد والارتباك في تعيين رئيس جهاز الشاباك تعكس فقدانًا للبوصلة الإستراتيجية.

المرشحون الجدد الذين يعتزم نتنياهو دراسة تعيينهم، على الأرجح، سيخضعون لتمحيص سياسي لا أمني، وسيُؤخذ بعين الاعتبار مواقفهم من ترامب، من خطة “إصلاح القضاء”، ومن ملفات إقليمية حساسة كلبنان وغزة.

وهذا يعني أن البعد المهني في هذه التعيينات أصبح ثانويًا أمام الولاءات السياسية والمواقف الأيديولوجية، وهو ما يُنذر بمزيد من التدهور في أداء المؤسسات الأمنية وشرعيتها.

في المحصلة، فإن إلغاء تعيين شرفيط يعكس أزمة مزدوجة: أزمة ثقة داخلية داخل الحكومة الإسرائيلية، وأزمة رضوخ واضح لضغوط الحلفاء الخارجيين.

وبينما يحاول نتنياهو الحفاظ على توازنه السياسي في الداخل والخارج، فإن فوضى قراراته الأخيرة تطرح علامات استفهام كبرى حول مستقبله السياسي، وقدرته على إدارة أجهزة الدولة في لحظة حاسمة من تاريخ الاحتلال.

اقرأ أيضًا : نتنياهو في مواجهة القضاء والانقسام الداخلي: بين محاكمة الفساد وغليان جيش الاحتلال