دخلت الدولة اللبنانية رسمياً في مواجهة تحكيمية دولية معقدة أمام “المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار” (ICSID) في واشنطن، إثر موافقة الحكومة اللبنانية على تكليف مكتب المحاماة الفرنسي الشهير “بريدن برات” (Bredin Prat) لتمثيلها ومعاونة هيئة القضايا في وزارة العدل.

تأتي هذه الخطوة لمواجهة الدعوى القضائية الضخمة التي رفعها رجل الأعمال الإماراتي، خلف الحبتور، عبر مجموعته العقارية، مطالباً بيروت بتعويضات خيالية تصل إلى 1.7 مليار دولار أمريكي.

وبحسب المعطيات المتقاطعة، فإن الدفاع الأولي أمام المحافل الدولية سيكلف الخزينة اللبنانية المأزومة كلفة أولية تُقدّر بمليون دولار كبدل أتعاب قانونية، وهي كلفة مرشحة للارتفاع تصاعدياً تبعاً لتعقيدات المسار القضائي وتشعباته.

جذور الأزمة: مغامرة مالية في ذروة الانهيار

تعود أصول هذا النزاع القضائي إلى ربيع عام 2020، أي في ذروة انهيار القطاع المصرفي اللبناني وفرض قيود مشددة على سحب الودائع. في ذلك الوقت، أطلق الحبتور خطة استثمارية مثيرة للجدل، تمثلت في بيع شقق سكنية مملوكة لمجموعته في دبي للمواطنين اللبنانيين، مقابل قبول “شيكات مصرفية” محلية (تُعرف محلياً بالـلولاير، وهي أرصدة محتجزة فاقدة للسيولة الفعلية بالدولار النقدي).

تمكنت المجموعة من جمع شيكات بقيمة 44 مليون دولار، أودعتها في حسابها لدى “بنك بلوم” في بيروت. وتُشير التقارير إلى أن الأغلبية في الوسط المالي اللبناني اعتبرت خطوة الحبتور حينها محاولة لاستغلال نفوذه وعلاقاته السياسية لتهريب هذه الأموال أو تسييلها للخارج، أو ربما لسداد ديون سابقة.

وعندما طالب الحبتور لاحقاً بتحويل نحو 40 مليون دولار من هذه الأموال إلى حسابات تابعة لشركته في هنغاريا، جوبه بطلب الرفض الصارم من إدارة المصرف، استناداً إلى تدابير الحظر غير الرسمية وحصر التحويلات الخارجية بـ “الأموال الجديدة” مما دفع رجل الأعمال للتوقيع على تعهد خطي بالامتناع عن طلب تحويلات إضافية في ذلك الوقت.

من “الاشتباك المالي” إلى “التحكيم الدولي”

بعد سنوات من الصمت والتفاوض المستتر، وجّه الحبتور في مطلع عام 2024 إخطاراً رسمياً بالنزاع إلى الحكومة اللبنانية، مطالباً بتسوية ودية بناءً على “اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار الثنائية بين لبنان والإمارات”. 

ومع غياب الاستجابة الرسمية من الدولة اللبنانية التي تعاني شللاً هيكلياً، صعدت “مجموعة الحبتور” من خطواتها مطلع عام 2026 بإعلانها الإنهاء الكامل لعملياتها في لبنان وتسريح الموظفين، موكّلة مكتب المحاماة الدولي “وايت آند كيس” لنقل المعركة إلى واشنطن.

تتسلح الدعوى الإماراتية ببند “فشل الدولة المضيفة في حماية الاستثمارات وتأمين المعاملة العادلة والمنصفة”، محملة السلطات اللبنانية المسؤولية عن الخسائر الجسيمة الناتجة عن القيود المصرفية. في المقابل، يرى قانونيون ومتابعون للملف أن الحبتور دخل الأزمة “طوعاً ومغامراً” عبر قبول أدوات مالية (الشيكات) وهو يعلم مسبقاً بطبيعة القيود المفروضة عليها، وبالتالي يتحمل وحده تبعات المخاطرة التجارية المعيوبة.

أبعاد التحليل الجيوسياسي: المال كأداة لفرض السيطرة السيادية

يتجاوز هذا النزاع حدوده القانونية الصرفة ليتقاطع مع قراءة أوسع يبديها محللون ومراقبون في الإقليم بشأن آليات “التمدد بالمال” التي تنتهجها القوى المالية الخليجية، ولا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة.

ويرى باحثون في الاقتصاد السياسي أن تحريك مثل هذه الدعاوى التعويضية الضخمة ضد دول تعاني شللاً اقتصادياً مثل لبنان، يعكس توظيفاً “للقوة المالية الصلبة” لفرض شروط سياسية وسيادية على العواصم المأزومة. إن محاولة تحويل خسارة ناجمة عن “مخاطرة استثمارية تجارية” إلى دين سيادي بمليارات الدولارات على كاهل الدولة، يُعد في نظر منتقدين أسلوباً للضغط وحصار القرار الوطني، ومحاولة لإخضاع الدول العاجزة عبر بوابة التعويضات الدولية، بما يمهد لفرض السيطرة على أصول الدولة الحيوية أو توجيه خياراتها الجيوسياسية في المستقبل.

يضع هذا الملف الساخن الدولة اللبنانية أمام خيارين أحلاهما مر: فإما النجاح في إثبات المسؤولية التجارية الذاتية للحبتور وإسقاط الدعوى، وإما مواجهة حكم تحكيمي دولي بمليارات الدولارات قد يعمق رهن القرار الاقتصادي والسياسي للبلاد لسنوات طويلة قادمة.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين