مقدمة
تشهد المنطقة العربية في الآونة الأخيرة توترات بين السعودية و الإمارات، ما يعكس تحوُّلاً كبيرًا في العلاقات بين البلدين اللذين كانا في السابق حليفين استراتيجيين في المنطقة. في تقريره في صحيفة “واشنطن بوست”، كشف ديفيد أغناشيوس عن تزايد الانقسامات بين الرياض وأبوظبي، ما يُهدد استقرار منطقة الشرق الأوسط في لحظة حساسة، خاصة مع تزايد التحديات الأمنية والسياسية في المنطقة.
بداية الخلاف: اليمن وتوترات على وسائل الإعلام
بدأ الخلاف بين السعودية والإمارات يبدو واضحًا في الحرب في اليمن، إذ اتجهت الإمارات إلى دعم قوى انفصالية في جنوب اليمن، وهو ما قوبل بمعارضة سعودية. وبينما توحد البلدان في قتال الحوثيين منذ عام 2016، بدأ الخلاف يطفو على السطح عندما دَعمت الإمارات أطرافًا تروج لفكرة الانفصال في جنوب اليمن، بينما كانت الرياض تدعم الحكومة اليمنية الشرعية.
الشرارة الحقيقية اندلعت في ديسمبر 2025، عندما قصفت القوات السعودية حلفاء الإمارات في اليمن، وهو ما زاد التوتر بين البلدين. في الوقت نفسه، اشتعلت الحملات الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تم تصوير الإمارات على أنها “أداة إسرائيلية” و”شيطان العرب” في إطار حملة سعودية تستهدف عزل الإمارات سياسيًا.
الخلافات الاستراتيجية: من التعامل مع إسرائيل إلى هيمنة الإقليم
ورغم التحالفات السابقة بين السعودية والإمارات حول قضايا إقليمية، مثل دعم إسرائيل في مواجهة إيران، بدأ التباين في الرؤى يظهر جليًا، خاصة بعد مشاركة الإمارات في اتفاقات أبراهام عام 2020 مع إسرائيل. هذه الخطوة التي وصفتها الرياض بـ”التحالفات المشبوهة” كانت نقطة التحول.
بحسب ديفيد أغناشيوس، هناك ما يشبه الغيرة والتنافس على النفوذ بين القوتين. فالسعودية تعتبر الإمارات دولة أصغر و”منافسًا لها”، بينما ترى الإمارات أنها قوة أكثر انفتاحًا وقدرة على التحكم في سياستها دون الحاجة للتمشي مع السعودية في كل خطوة.
تداعيات الخلاف: التوترات الإقليمية والتصعيد
قد يكون لهذا الخلاف تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي. فقد شهدت المنطقة زيادة في التوترات في اليمن، حيث رفضت السعودية والإمارات وساطة أميركية في محاولة لاحتواء النزاع. وفي نفس الوقت، استمرت الانقسامات بين القيادات السياسية في كلا البلدين، بما في ذلك الخلافات الشخصية بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان و ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد.
تفاقم هذه الأزمة على مستوى سياسي قد يفتح المجال للهجمات العسكرية أو الاقتصادية بين الجانبين في المستقبل القريب، ويزيد من التأثيرات السلبية على جميع دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك الكويت وقطر.
تطورات اقتصادية: تحديات موازية
بعيدًا عن المسائل العسكرية والسياسية، هناك تحديات اقتصادية تبرز في الخلاف السعودي الإماراتي، إذ يسعى كل بلد إلى تحقيق نفوذ أكبر في المشهد الإقليمي والعالمي، كما هو الحال في محاولة بناء تحالفات مع دول إسلامية صديقة. السعودية، مثلًا، طلبت من دول إسلامية مثل كازاخستان وسوريا و الأردن عدم المشاركة في قمة الإمارات العالمية.
على الجانب الآخر، الإمارات التي تحتضن استثمارات ضخمة ونشاطات تجارية ضخمة على مستوى العالم، تسعى إلى تعزيز وجودها التجاري والإقليمي بعيدًا عن هيمنة الرياض.
مستقبل العلاقات: إلى أين تسير الأمور؟
يبدو أن الخلافات بين السعودية والإمارات ستستمر في التصاعد إذا لم يتم إيجاد حلول أو تدخلات دولية. ولكن لا يبدو أن الولايات المتحدة أو القوى الدولية الكبرى ستكون قادرة على التوسط بشكل فاعل، إذ رفض الجانبان أكثر من محاولة للتوسط، حيث يُعتبر الخلاف محصورًا بين القيادة السياسية لكل منهما.
الخاتمة
في النهاية، قد تكون هذه التوترات بين السعودية والإمارات قد عكست صراعًا أعمق من مجرد تنافس على النفوذ. فهي تتعلق بـ كيفية تعريف القوة الإقليمية و التعامل مع التحالفات المتغيرة في المنطقة، خاصة في وقت حساس، حيث التوترات مع إيران مستمرة و التحديات الإقليمية تتزايد.