في الوقت الذي يضغط فيه الاحتلال الإسرائيلي عبر وسطاء إقليميين ودوليين لفرض شرط نزع سلاح المقاومة في غزة كمدخل للتفاوض على وقف إطلاق النار، تعود إلى الأذهان مآسي شعوب وقوى وقعت في شرك نزع السلاح، وانتهى بها الحال إلى مذابح مروعة أو انهيارات كبرى.

التجارب التاريخية التي خاضتها أوكرانيا، ومسلمو البوسنة في سربرنيتشا، وحتى منظمة التحرير الفلسطينية بعد الخروج من بيروت، تكشف أن سحب السلاح من الشعوب أو القوى المناوئة للأنظمة الغاشمة أو الاحتلالات العسكرية، غالباً ما يكون مقدمة لكوارث مدوية. 

في المقابل، يبرز نموذج طالبان في أفغانستان، كحالة فريدة لقوة رفضت أن تُجرد من سلاحها، وصبرت، حتى فرضت شروطها.

منظمة التحرير.. من تسليم السلاح إلى مجزرة صبرا وشاتيلا

في عام 1982، وبعد أسابيع من القصف الإسرائيلي المكثف لبيروت، خضعت منظمة التحرير الفلسطينية لاتفاق يقضي بخروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان على متن سفن، مقابل ضمانات أمريكية وفرنسية بحماية المخيمات والسكان الفلسطينيين. 

وافقت المنظمة تحت الضغط على تسليم السلاح الثقيل، والخروج من محيط فلسطين، في أكبر عملية نزع سلاح جماعية لقوة مقاومة منظمة في حينه.

لكن النتيجة كانت مجزرة بشعة ارتكبتها ميليشيات الكتائب اللبنانية المدعومة من الاحتلال الإسرائيلي في مخيمي صبرا وشاتيلا، حيث قُتل أكثر من 3000 فلسطيني ولبناني في غضون 48 ساعة، ووقفت القوات الإسرائيلية عند مداخل المخيم، تمنع الهاربين من النجاة وتوفر الضوء الأخضر للقتلة.

هذا الحدث ظل محفورًا في الذاكرة الفلسطينية والعربية باعتباره دليلاً دامغًا على أن نزع سلاح المقاومة، في ظل احتلال غادر ومجتمع دولي متواطئ أو صامت، هو جريمة استراتيجية لا تُغتفر.

أوكرانيا.. النووي مقابل الضمانات ثم الاجتياح

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ورثت أوكرانيا ترسانة نووية ضخمة كانت الثالثة عالميًا بعد أمريكا وروسيا، شملت آلاف الرؤوس النووية التكتيكية والاستراتيجية. 

لكن الغرب، بقيادة واشنطن، مارس ضغوطاً شديدة على كييف، لإقناعها بتسليم السلاح النووي والانضمام لمعاهدة عدم الانتشار.

في عام 1994، وُقعت “مذكرة بودابست”، التي قدمت لأوكرانيا ضمانات دولية من روسيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، باحترام سيادتها وسلامة أراضيها، مقابل تخليها عن النووي.

بحلول 1996، كانت كييف قد أرسلت كل ترسانتها إلى روسيا، ودُمرت منصات الإطلاق.

لكن ما لبثت تلك الضمانات أن تهاوت ففي عام 2014، اجتاحت روسيا القرم وضمتها بالقوة، وبعدها اندلعت الحرب في شرق أوكرانيا، وتأسست جمهوريات انفصالية بدعم روسي. 

وفي 2022، شنت روسيا غزوًا شاملاً للبلاد، دمر المدن، وشرّد الملايين، ووضع أوكرانيا على حافة الانهيار.

النموذج الأوكراني يُعد من أخطر الأمثلة المعاصرة على خيانة الضمانات الدولية بعد نزع سلاح دولة بالكامل، ويُظهر بوضوح أن الردع لا يكون عبر الاتفاقيات، بل عبر امتلاك وسائل الدفاع الحقيقية.

سربرنيتشا.. منطقة آمنة بلا سلاح.. إلى المقابر الجماعية

تحت ضغط الحرب في البوسنة، أعلنت الأمم المتحدة مدينة سربرنيتشا “منطقة آمنة” عام 1993، بشرط نزع سلاح المقاتلين البوسنيين، مقابل وعود بحمايتهم من قوات صرب البوسنة. وفعلاً، تم نزع السلاح الثقيل، وجُرد آلاف البوسنيين من وسيلة الدفاع الوحيدة عن أنفسهم، فيما أبقت القوات الصربية سلاحها خارج حدود المدينة.

في يوليو 1995، دخلت القوات الصربية بقيادة الجنرال راتكو ملاديتش المدينة بسهولة، وارتكبت إحدى أفظع المذابح في التاريخ الأوروبي الحديث، راح ضحيتها قرابة 8000 رجل وطفل مسلم، بينما ظلت القوات الدولية “الهولندية” تراقب المشهد بلا تدخل.

مذبحة سربرنيتشا أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن نزع سلاح الضحية في مواجهة الجلاد لا يحقق الأمان، بل يفتح أبواب الجحيم، خصوصًا حين يكون الضامن دوليًا ضعيف الإرادة أو متواطئًا بالصمت.

طالبان.. التمسك بالسلاح بوابة للانتصار

على النقيض من النماذج السابقة، تشكل حركة طالبان مثالًا مضادًا وناجحًا.

فبعد سقوط حكمها عام 2001، ودخول القوات الأمريكية وحلفائها إلى كابول، رفضت الحركة العروض الغربية التي دعتها إلى نزع السلاح والانخراط في العمل السياسي مقابل العفو.

ومع أن طالبان كانت في حالة انكفاء، إلا أنها احتفظت بسلاحها، وبدأت بشن حرب استنزاف طويلة الأمد ضد القوات الأجنبية والحكومة الأفغانية المدعومة منها.

 

عبر السنوات، تكبدت الولايات المتحدة خسائر جسيمة، وفشلت في القضاء على طالبان أو فرض نموذجها في الحكم، وفي عام 2018 اضطرت واشنطن إلى الجلوس معها على طاولة المفاوضات، دون أن تطرح قضية نزع السلاح.

بل على العكس، اعترفت بها كقوة أمر واقع، وأبرمت معها اتفاق الدوحة عام 2020، الذي نص على انسحاب القوات الأجنبية من البلاد، دون التطرق لمسألة سلاح طالبان أو شروط متعلقة بهيكلة قواتها.

 

وبالفعل، في أغسطس 2021، انهارت الحكومة الأفغانية، وفرّ رئيسها، وسقطت كابول دون قتال، وعادت طالبان إلى الحكم، منتصرة، بسلاحها الذي لم تتخلَّ عنه يومًا، معتبرة أن نزع السلاح خط أحمر، لأنه مفتاح البقاء والاستقلال.

غزة.. حين يُطلب من الضحية تجريد نفسها

في سياق العدوان المستمر على غزة، يبدو مطلب الاحتلال بنزع سلاح المقاومة، كشرط لمجرد بدء مفاوضات وقف إطلاق النار، استمراراً للنهج الذي يستهدف إفراغ القضية من أدواتها الدفاعية.

فالمقاومة الفلسطينية، وإن كانت محاصرة ومحاربة سياسيًا، إلا أن سلاحها شكّل على مدى العقود الماضية عنصر ردع وكرامة في وجه الاحتلال، ووسيلة لاستعادة التوازن مع قوة نووية مدججة بالسلاح الأمريكي.

الضغط اليوم على غزة لنزع سلاحها هو محاولة لإعادة إنتاج سيناريوهات مأساوية، تبدأ بـ”ضمانات أمنية” و”تسهيلات إنسانية”، وتنتهي بمجازر أو احتلال دائم أو حكم عميل.

ويعرف الفلسطينيون جيدًا، أن تجارب من سبقوهم لا تشجع على تكرار الخطأ، لا سيما في ظل فقدان الثقة الكامل بالمجتمع الدولي، وتاريخ الاحتلال الطويل في خرق الاتفاقيات.

 

السلاح ضمانة البقاء.. لا رفاهية في وجه المحتل

تُجمع النماذج السابقة على حقيقة واحدة: أن نزع السلاح في سياق احتلال، أو في ظل تهديد وجودي، هو انتحار سياسي وعسكري.

وإذا كانت بعض الدول قد سلّمت ترساناتها بإرادتها أو تحت الضغط، فإن الكلفة جاءت فادحة من سيادتها واستقلالها ودماء أبنائها، أما حين تمسكت بعض الحركات المسلحة بسلاحها رغم كل المغريات والضغوط، كما فعلت طالبان، فقد تمكّنت من فرض معادلة جديدة، وإجبار القوى الكبرى على الانسحاب والاعتراف.

وبالتالي، فإن دعوات نزع سلاح غزة ليست سوى محاولة لإضعاف آخر ما تبقى من أوراق القوة بيد الشعب الفلسطيني، وتحويله إلى شعب أعزل أمام احتلال لا يتورع عن ارتكاب المذابح والجرائم.

وفي ظل واقع كهذا، فإن المقاومة وسلاحها لا يُمثلان خيارًا عسكريًا فقط، بل خيار وجود وبقاء، يحدد مصير القضية ومستقبل أهلها.

 

اقرأ أيضًا : ماذا يحدث في مطروح؟ تصفيات خارج القانون واحتجاز نساء.. الشرطة تواجه القبائل بالغطرسة والدم