تتصاعد مؤخرًا التوترات الكامنة داخل الإمارات العربية المتحدة بشأن تحالفها مع إسرائيل، في ظل اتساع رقعة عدوان الأخيرة في المنطقة، وبلوغها مستوى غير مسبوق عندما شنت هجومًا على قطر، أعقبه إعلان خطط لضم الضفة الغربية المحتلة، ما أثار قلقًا واسعًا بين الأنظمة الملكية الخليجية الحليفة للولايات المتحدة والتي سعت واشنطن طويلًا إلى دمجها في محور واحد مع إسرائيل.
جاءت الصورة الأوضح لهذا القلق في الطريقة التي سلم بها رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان على أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني في اليوم التالي لهجوم إسرائيل على قطر، إذ كان بن زايد أول زعيم يزور الدوحة بعد الضربة الإسرائيلية، في خطوة رمزية لافتة بالنظر إلى التنافس التاريخي بين البلدين على قيادة توجهات المنطقة. ورغم إعلان المصالحة بينهما قبل أعوام، فإن من يتحدث إلى المسؤولين أو المطلعين من الجانبين يدرك أن آثار الخلاف العميق ما زالت باقية.
وقد لخّص مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الأمر بقوله إن رد فعل بن زايد على الضربة الإسرائيلية كان «مزيجًا من الإعجاب بجرأة إسرائيل على الإقدام على هذه الخطوة، والخوف الشديد من تبعاتها». ويُنظر إلى الهجوم على قطر باعتباره ذروة نزعة التهور العسكري الإسرائيلي في المنطقة، والتي أرقت الأنظمة الملكية السنية الغنية المتشابكة مع الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل سعي واشنطن لسنوات إلى دمجها مع إسرائيل في تحالف موحد.
قتل أكثر من 64,700 فلسطيني جراء الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل في غزة، ما فجّر موجة غضب عارمة في العالمين العربي والإسلامي، كما طرحت حكومة الاحتلال مطلع هذا الشهر خطة لضم الضفة الغربية المحتلة. وقد ازداد قلق الحكام الخليجيين منذ الهجوم الإسرائيلي غير المسبوق على إيران في يونيو، واستمرارها في قصف لبنان وسوريا بلا رادع، مع احتلالها مساحات واسعة من الأراضي السورية وفرضها شروطًا على تحركات الجيش السوري داخل بلاده.
لا تتحرك دول الخليج ككتلة واحدة، إذ لكل منها أولوياتها الخاصة. فمثلًا، تتقارب السعودية وقطر وتركيا في الملف السوري، في حين تنظر الإمارات بعين الريبة إلى حكومة الرئيس أحمد الشرع هناك. ومع استمرار الإبادة في غزة واقترابها من عامها الثاني، وتكثيف إسرائيل عملياتها العسكرية بدعم من الولايات المتحدة، بدأت الضغوط تتزايد على علاقات إسرائيل مع دول عربية كانت تربطها بها صلات وثيقة. فقد توقفت مصر، أقدم شركاء السلام لإسرائيل، عن التعاون معها وفق ما كشفه مسؤول أمريكي رفيع، بينما رفضت السعودية بقوة الضغوط الأمريكية للتوصل إلى اتفاق تطبيع مع إسرائيل دون إقامة دولة فلسطينية، وصرح ولي العهد محمد بن سلمان علنًا مدينًا إبادة إسرائيل في غزة.
ورغم اعتماد إسرائيل خلال الفترة الماضية على شراكتها المتينة مع الإمارات كأقرب حليف عربي لها، بدأت بوادر التوتر تظهر مؤخرًا، إذ ألغت الإمارات مشاركة إسرائيل في معرض دبي للطيران المقرر عقده في نوفمبر المقبل، كما سبقت الهجوم الإسرائيلي على قطر بتحذير لإسرائيل من تخطي «خط أحمر» في حال ضم الضفة الغربية. واكتسب هذا التحذير أهمية كبرى كون الإمارات تعد الركيزة الأساسية لاتفاقات اتفاقات إبراهام التي وُقعت عام 2020 في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأسفرت عن تطبيع علاقات الإمارات والبحرين والمغرب مع إسرائيل، وقد روجت واشنطن لهذه الاتفاقات كاختراق تاريخي بينما اعتبرها أنصار القضية الفلسطينية خيانة.
يرى محللون أن كلا الطرفين أساء فهم الدوافع الإماراتية؛ فالإمارات التي تأسست عام 1971 كاتحاد لسبع إمارات، لم تخض أي حرب مع إسرائيل، وتضم عشرة ملايين نسمة لا يتجاوز عدد المواطنين منهم مليونًا، والبقية عمالة وافدة. وقد أوضح المبعوث الأمريكي توم باراك، المقرب من القيادة الإماراتية، أن بن زايد «هرع» إلى اتفاقات إبراهام لكونه يحكم بلدًا صغيرًا بنظام ملكي. ويقول الباحث حسين إيبيش من معهد دول الخليج العربية في واشنطن إن الإمارات ما زالت متمسكة بحساباتها الاستراتيجية من الاتفاقات، خصوصًا في مجالات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، إلا أن السلوك الإسرائيلي المزعزع للاستقرار بدأ يثير قلق بعض الدوائر. وأوضح أن قرارات السياسة الخارجية الكبرى تُتخذ عادة في أبوظبي بالتشاور مع دبي وأحيانًا الشارقة، لكن بعض القضايا المثيرة للجدل تؤدي إلى انقسامات داخلية، فالمتحمسون للشراكة مع إسرائيل يتركزون في دبي، بينما يزداد التشكيك في منح إسرائيل حرية الحركة في الشارقة ورأس الخيمة.
ورغم تسويق الاتفاقات في الولايات المتحدة كتحالف لمواجهة إيران، فإن إسرائيل أضعفت النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان، بينما أصلحت الإمارات علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وتستند دوافع الإمارات للتقارب مع إسرائيل إلى عوامل قديمة؛ فقد عارض الطرفان الرئيس محمد مرسي المنتخب ديمقراطيًا في مصر قبل عقد من الزمن، ويعتبران جماعة الإخوان المسلمين عدوًا مشتركًا، كما تنظر الإمارات إلى حركة حماس، المنبثقة عن الجماعة، كخصم رئيسي، وتسعى بشدة إلى جذب الاستثمارات والتكنولوجيا مع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويقول فراس مقصَد من مجموعة أوراسيا إن الاتفاقات لم تكن «بلا تكلفة» بالنسبة للإمارات، إذ حملت مخاطر أبرزها احتمال غضب العالمين العربي والإسلامي من تجاوز الإمارات للقضية الفلسطينية. وأوضح أن الإمارات «دافعت عن إسرائيل بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 وهاجمت حماس صراحة، لكنها لم تحصد شيئًا مقابل ذلك».
وقد أثار تحذير الإمارات من «خط أحمر» بشأن ضم الضفة اهتمام الدبلوماسيين والمحللين، إذ إن الإمارات قدمت انخراطها في اتفاقات إبراهام عام 2021 على أنه محاولة لمنع الضم والحفاظ على خيار حل الدولتين، وفق ما قال سفيرها لدى الولايات المتحدة يوسف العتيبة حينها. غير أنها أوضحت لاحقًا أنها لن تجعل علاقاتها بإسرائيل مشروطة بمنع الضم، بل صرح العتيبة قبل شهر من اندلاع الإبادة في غزة بأن «ضمًا فعليًا» جارٍ في الضفة وأن الإمارات لن تعارضه، موضحًا أن الاتفاق كان مقيدًا بفترة زمنية قاربت على الانتهاء، وبالتالي لم يعد لديهم نفوذ للتأثير في القرارات المتخذة خارج تلك الفترة.
ويقول الباحث عبد العزيز الغشيان من منتدى الخليج الدولي إن «المسألة الآن تتعلق بغزة»، مشيرًا إلى محاولة الإمارات التوفيق بين رغبتها في الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل والغضب من عدوانها، فيما تدعو قطر إلى رد عربي جماعي على هجوم إسرائيل. ولم تحدد الإمارات ما قد تكون عليه عواقب الضم الإسرائيلي للضفة. ومنذ هجوم 7 أكتوبر، بدت الإمارات شاذة عن الإجماع العربي، إذ علّق العتيبة في فبراير على خطة دونالد ترامب المعروفة إعلاميًا بـ«خطة ريفييرا غزة» التي فُسّرت على نطاق واسع كدعوة للتطهير العرقي، قائلاً إن أبوظبي لا ترى بديلاً لها. وكشفت تقارير سابقة أن الإمارات ضغطت على الولايات المتحدة لعرقلة خطة جامعة الدول العربية بشأن غزة، وساندت تهجير الفلسطينيين إلى مصر، ما تسبب بتوتر العلاقات مع القاهرة رغم استمرار الاستثمارات الإماراتية الحيوية في مصر التي تعاني ضائقة مالية، وهو ما يبرز تعقيد علاقات الإمارات إقليميًا، بما فيها رؤيتها لغزة والضفة.
ويرى الغشيان أن هناك «ملفين منفصلين ضمنيًا، أحدهما لغزة والآخر للضفة»، فالإمارات تعتبر حماس تهديدًا، وتنظر باحتقار إلى حركة فتح في الضفة، ويفضل دبلوماسيون ومحللون الإشارة إلى محمد دحلان، القيادي الفتحاوي المنفي من غزة، كحليفها المفضل وموفدها إلى بؤر توتر أخرى. ورغم التوتر، لا يتوقع كثير من المحللين أن تقطع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل أو تدعم بقوة خطة الجامعة العربية لما بعد الحرب في غزة، والتي تدعو لسيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع مع السماح بوجود دور سياسي محدود لحماس. ويوضح الغشيان أن هناك «إجماعًا عربيًا لا يتطابق كليًا مع ما تريده الإمارات، لكنها تستعد لتكون المعرقل لهذا الإجماع، وهي الوظيفة الأساسية التي تؤديها للولايات المتحدة وإسرائيل». كما تظل الإمارات منسقة مع إسرائيل في مناطق أخرى مثل القرن الإفريقي، حيث أفادت تقارير بأنها تضغط على صوماليلاند، الحليفة لها، لقبول لاجئين فلسطينيين مهجّرين قسرًا مقابل الاعتراف الأمريكي بها، ويؤكد إيبيش أنه “قد يكون هناك خلاف أكبر داخل الإمارات حول القرن الإفريقي أكثر من الخلاف بشأن إسرائيل، لكن لا أحد داخل مؤسسات الدولة الإماراتية يعارض اتفاقات إبراهام من حيث المبدأ الاستراتيجي”.