في بيان حاسم، نفى مجلس السيادة الانتقالي في السودان وجود أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع قوات الدعم السريع في واشنطن، مؤكدًا أن ما تداوله الإعلام ومواقع التواصل “عارٍ تمامًا عن الصحة”.

البيان شدّد على أن الموقف الرسمي للخرطوم لا يزال ثابتًا: لا حوار خارج الإطار الوطني، ولا حلول تُفرض من الخارج، في إشارة واضحة إلى رفض أي وصاية دولية على مسار الأزمة السودانية.

بين موقف البرهان وتصريحات واشنطن

النفي الرسمي يأتي بعد أسبوع من تصريحات الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي أعلن استعداده للتفاوض “بما يصلح السودان وينهي الحرب”، لكنه اشترط أن يتم ذلك على أسس تحافظ على وحدة البلاد وكرامتها.

هذا الموقف المزدوج — الانفتاح على الحوار من جهة، ورفض الوساطات الخارجية من جهة أخرى — يعكس معضلة القيادة السودانية بين الضغط الدولي للجلوس إلى طاولة التفاوض، والخشية من فقدان السيطرة السياسية أمام الدعم السريع والفاعلين الإقليميين.

الرواية الأميركية.. وساطة من وراء الستار

وسائل إعلام أميركية ودولية نقلت عن مصادر دبلوماسية أن وزارة الخارجية الأمريكية رعت لقاءات “منفصلة” في واشنطن بين ممثلين عن الجيش السوداني والدعم السريع، بحضور وسطاء من الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر).

ووفق التسريبات، فإن هذه الاجتماعات التمهيدية كانت تهدف لتحديد إطار لوقف إطلاق النار الإنساني قبل انعقاد اجتماع الرباعية في نهاية الشهر الحالي.

غير أن النفي السوداني يطرح تساؤلات حول مدى مشاركة الجيش فعليًا، أو ما إذا كانت اللقاءات مقتصرة على قنوات اتصال استخباراتية أو إنسانية غير معلنة.

الرباعية الدولية.. بين الضغط والارتباك

الرباعية الدولية التي تشكلت في سبتمبر الماضي تحاول إعادة إحياء مسار السلام بعد فشل محادثات جدة، واقترحت هدنة إنسانية لثلاثة أشهر تمهيدًا لوقف دائم لإطلاق النار، يليها انتقال سياسي نحو حكومة مدنية خلال تسعة أشهر.

لكن إعلان مجلس السيادة رفض أي تفاوض في واشنطن يُضعف زخم هذه المبادرة، ويعكس تصاعد التباين بين الخرطوم والعواصم الراعية، خاصة مع تضارب المصالح بين أطراف الرباعية نفسها، حيث تتباين أولويات الرياض وأبوظبي والقاهرة وواشنطن بشأن مستقبل السلطة في السودان.

مأزق الحرب الطويلة

منذ اندلاع الصراع في 15 أبريل 2023، فشلت كل محاولات الوساطة في وقف نزيف الدم. الحرب حصدت، وفق تقارير أممية، أكثر من 20 ألف قتيل، وتسببت في تشريد أكثر من 15 مليون شخص، بينما تشير دراسات مستقلة إلى أن عدد القتلى ربما تجاوز 130 ألفًا — أرقام تصف مأساة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث.

ما وراء النفي

يرى محللون أن النفي السوداني لا يعني بالضرورة غياب الاتصالات، بل ربما يعكس مناورة سياسية تهدف إلى كسب الوقت وإدارة الضغوط، خصوصًا أن البرهان يواجه تحديًا داخليًا متصاعدًا من الأصوات التي ترفض أي تفاوض مع “المتمردين”.

وفي المقابل، فإن استمرار الحرب دون أفق سياسي قد يدفع المجتمع الدولي إلى فرض مسار تفاوضي بالقوة، سواء قبلته الخرطوم أم لا.

ختامًا: إلى أين يتجه المشهد؟

بين ضغوط الرباعية وتصلب المواقف على الأرض، يبدو أن السودان يقف على مفترق طرق جديد.

الجيش يرفض الاعتراف بمحادثات واشنطن، بينما تمضي القوى الدولية في ترتيباتها لتسوية مرتقبة.

فهل ينجح البرهان في فرض “الحل الوطني” الذي ينادي به، أم أن الحرب ستفرض على الجميع العودة إلى طاولة واشنطن؟

اقرأ أيضا:  موقع إيطالي: 14 مليون نازح في السودان.. والإمارات تأجج الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية