في الوقت الذي نفت فيه دولة الإمارات مجددًا تورطها في الصراع الدامي بالسودان، عاد الجدل مجددًا حول الدور الذي تلعبه أبو ظبي في تأجيج الحرب الأهلية هناك، خصوصًا في ظل تصاعد الاتهامات الدولية والإقليمية بدعمها لقوات الدعم السريع، الطرف الأبرز في الحرب ضد الجيش السوداني.
وقد جاء النفي هذه المرة على لسان متحدث باسم وزارة الخارجية الإماراتية، وصف فيه هذه المزاعم بأنها “ادعاءات لا أساس لها وتفتقر للأدلة”، وذلك في تصريحات لموقع بلومبيرغ الاقتصادي.

النفوذ الناعم… أم غطاء للتدخل؟
الإمارات حاولت تبرير تحركاتها في القارة السمراء، بما فيها السودان، بأنها مدفوعة بـ”رؤية للتنمية المستدامة” و”قيم مشتركة”، بحسب المسؤول الإماراتي. وأكد أن وعود الإمارات باستثمار مليارات الدولارات في الطاقة والعقارات والخدمات والتكنولوجيا ليست سوى تجسيد لهذه الرؤية.
لكن مراقبين يرون أن هذه الاستثمارات ليست بريئة من الطموحات الجيوسياسية. فالقارة الإفريقية، وخاصة الدول الهشة مثل السودان، أصبحت ميدانًا تتصارع فيه قوى إقليمية ودولية، لبسط نفوذها عبر شبكات معقدة من الدعم العسكري واللوجستي والسياسي.
وفي هذا السياق، تتهم تقارير أممية وغربية الإمارات باستخدام أدوات ناعمة – من بينها المساعدات الإنسانية والتمويل – لكسب موطئ قدم استراتيجي، في مناطق الصراع، ثم التوسع لاحقًا عبر تحالفات غير معلنة مع أطراف مسلحة.
دلائل متزايدة رغم النفي المتكرر
النفي الإماراتي الأخير لا يُعتبر الأول من نوعه، فقد سبق وأن نفت أبو ظبي أكثر من مرة تزويدها لقوات الدعم السريع بأي شكل من أشكال الدعم، سواء بالسلاح أو بالتمويل أو بالغطاء السياسي، رغم إعلان السودان رسميًا، مطلع مايو/أيار الماضي، قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، واتهامها بشن “عدوان مباشر” على البلاد عبر دعم ميليشيا الدعم السريع.
المثير أن موقع بلومبيرغ نفسه، الذي نقل النفي الإماراتي، أشار إلى أن المسؤولين في أبو ظبي لم يعلقوا على تقارير دبلوماسية غربية تتحدث عن أن الإمارات قامت بالفعل خلال السنوات الأخيرة ببناء “شبكة دعم وإسناد” لقوات الدعم السريع، عبر أراضٍ مجاورة للسودان مثل تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، في ما يشبه خط إمداد خفي غير رسمي.
ووفقًا لهذه التقارير، فإن الإمارات أقامت مستودعات سلاح ونقاط لوجستية في تلك الدول، تُمكنها من تزويد الدعم السريع بما يلزمه من أسلحة وإمدادات، بعيدًا عن الرصد الدولي أو المساءلة المباشرة.
وتتسق هذه الاتهامات مع شكاوى قدمتها الحكومة السودانية لمحكمة العدل الدولية، تتهم فيها الإمارات بدعم مباشر لعمليات إبادة جماعية بحق أقلية “المساليت” في إقليم دارفور على يد قوات الدعم السريع، معتبرة أن أبو ظبي “القوة الدافعة” خلف تلك الانتهاكات.
محكمة العدل ترفض.. ولكن الجدل مستمر
اللافت أن محكمة العدل الدولية رفضت تلك الدعوى، معتبرة أنها تفتقر لأي أساس قانوني أو واقعي، ورأت فيها محاولة لصرف الأنظار عن الحرب الكارثية في البلاد، وهو ما استغلته الإمارات للتأكيد على براءتها. لكن رغم هذا القرار القانوني، لم تهدأ الاتهامات، لا سيما في ظل استمرار المذابح والنزوح الجماعي في مناطق عدة من دارفور، وهو ما يثير التساؤلات حول مصدر القوة التي تستند إليها قوات الدعم السريع رغم الحصار الدولي عليها.
وفي المقابل، تصر مصادر سودانية على أن الإمارات لا تلعب دورًا محايدًا، بل تنتهج سياسة مزدوجة، تعلن فيها الحياد، بينما تدعم فعليًا طرفًا في الصراع، سعياً لضمان نفوذ طويل الأمد في السودان، الذي يشكل بوابة استراتيجية إلى العمق الإفريقي، لا سيما في ظل تراجع أدوار بعض القوى التقليدية مثل مصر والسعودية.
ختام: نفي بلا مصداقية ومستنقع يتمدد
مع كل نفي رسمي إماراتي، تزداد المؤشرات على تورط غير مباشر أو خفي في الصراع السوداني، وهو ما يعيد التذكير بدور أبو ظبي في نزاعات إقليمية سابقة كاليمن وليبيا.
فالخريطة الجديدة لتوزع النفوذ في إفريقيا، وخاصة في مناطق النزاعات، تُكتب الآن بالمال والسلاح والدبلوماسية الناعمة، ولا يبدو أن الإمارات تنوي التراجع عن هذا المسار.
ويبقى السؤال المطروح: إلى متى ستظل القوى الإقليمية تتعامل مع السودان كساحة صراع لتصفية الحسابات وبسط النفوذ، فيما يزداد المواطن السوداني بؤسًا ويأسًا؟ وهل يستطيع المجتمع الدولي كسر دائرة النفي والتهرب، وتفكيك شبكات الدعم غير المعلنة، قبل أن يتحول السودان إلى “صومال جديد” وسط القارة السمراء؟
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي.. الحرب تُجفف أراضي السودان وتُغرق المزارعين في دوامة الخسائر