تقدّمت اتحادات نقابية من 36 دولة بشكوى رسمية إلى منظمة العمل الدولية ضد المملكة العربية السعودية، احتجاجًا على الانتهاكات المستمرة التي يتعرّض لها العمال المهاجرون، خاصة مع البدء في تنفيذالمشاريع المتعلقة باستضافة كأس العالم 2034.

الشكوى تطالب بتشكيل “لجنة تحقيق” أممية للنظر في أوضاع العمالة في السعودية، وهي من أقوى الآليات التي تتيحها المنظمة الأممية لمحاسبة الدول المنتهكة. تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد القلق الدولي من استمرار الانتهاكات رغم الوعود بالإصلاح، ومع بدء تصعيد أعمال التشييد المرتبطة بمشاريع البنية التحتية الضخمة استعدادًا للبطولة المرتقبة.

الأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات، لوك تراينغل، وصف حجم وخطورة الانتهاكات في السعودية بأنها تتطلب “رد فعال وسريع”، مضيفًا: “لم يعد بالإمكان تجاهل مقتل عامل مهاجر آخر في السعودية. لا يمكننا البقاء صامتين بينما العمال، وخصوصًا في قطاعي البناء والعمل المنزلي، يواجهون انتهاكات صارخة لحقوقهم الأساسية. هذا الوضع يجب أن يتوقف فورًا“.

في اليوم نفسه، أعلنت منظمة العمل الدولية عن توقيع اتفاق تعاون جديد مع السعودية يمتد لعامين، تم التوقيع عليه على هامش مؤتمر العمل الدولي في جنيف. ويتضمّن الاتفاق التمهيد لملاءمة بعض القوانين السعودية مع المعايير الدولية، بما في ذلك تنظيم التوظيف العادل، وتسهيل انتقال العمال بين الوظائف، وتطبيق حد أدنى للأجور، وتمثيل العمال المهاجرين في اللجان العمالية.

لكن الاتفاق لم ينجح في تهدئة غضب الاتحادات النقابية التي دفعت قدمًا باتجاه تقديم الشكوى. الاتحادات الموقعة شملت منظمات عمالية من بريطانيا، اليابان، كندا، أستراليا، و13 دولة إفريقية من بينها نيجيريا وغانا والسنغال. الشكوى المفصلة التي اطّلعت عليها صحيفة “الغارديان” وثّقت عشرات الحالات التي تُتهم فيها السلطات السعودية بالتورط في الاتجار بالبشر، والعمل القسري، وسرقة الأجور، والانتهاكات الجسدية والجنسية بحق العمال.

المنظمات الحقوقية والنقابية كانت قد نبّهت مرارًا إلى أن كأس العالم وغيره من المشاريع العملاقة في المملكة قد تتلوّث بانتهاكات العمل، في ظل غياب الرقابة وانعدام الضمانات. من أبرز الانتهاكات التي تكرّرت في التقارير: فرض رسوم توظيف باهظة، عدم دفع الرواتب، التعاقدات المزيفة، مصادرة جوازات السفر، والتعرض لأجواء عمل قاسية تحت درجات حرارة مميتة. منظمة “فير سكوير” قدّرت مؤخرًا أن آلاف العمال قد يفقدون حياتهم مع تسارع وتيرة البناء.

الجدير بالذكر أن عدد العمال المهاجرين في السعودية ارتفع خلال السنوات الأخيرة ليتجاوز 13 مليونًا، مدفوعًا بالطفرة العمرانية المرتبطة بمشاريع “الرؤية” وكأس العالم ومشاريع ما يُعرف بـ”الجيغا بروجيكتس”. رغم هذا، لا تزال النقابات العمالية محظورة في المملكة.

من جانبه قال عمر عثمان، الأمين العام لاتحاد نقابات العمال في الصومال وأحد الموقّعين على الشكوى: “الأفارقة يذهبون إلى السعودية بحثًا عن الحياة، لكنهم يعودون في توابيت”.

الاتفاق الموقع بين النظام السعودي ومنظمة العمل الدولية وعد بتحسين نظام التعويضات للعمال المصابين أو المتوفين، وتعهّد بتوسيع الحماية للعمالة المنزلية المستثناة أصلًا من أحكام قانون العمل السعودي.

ورغم هذه التعهدات، تصرّ الاتحادات النقابية على أن ما يتم تقديمه لا يرقى إلى مستوى الإصلاح الجاد، وتؤكد أن ما يحدث على الأرض من انتهاكات ممنهج لا يمكن السكوت عليه.

فيفا، من جانبها، قالت إن السعودية التزمت في ملف الترشح لكأس العالم باعتماد معايير العمل الدولية، وأكدت أنها بدأت بتنفيذ الإجراءات المطلوبة. لكن ذلك لم يثنِ النقابات عن تحركها، خاصة مع افتقار المملكة إلى شفافية حقيقية أو وجود جهات مستقلة قادرة على محاسبة المخالفين.