صور الأقمار الصناعية كشفت عن إنشاء النظام الإماراتي مدرج طائرات جديد في جزيرة زُقر اليمنية الواقعة في البحر الأحمر، وهي جزيرة بركانية استراتيجية تشرف على مضيق باب المندب الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. الصور التي نشرتها وكالة أسوشييتد برس وأكدتها مصادر تحليلية، أظهرت أن العمل في المدرج بدأ منذ أبريل الماضي واستمر حتى أكتوبر، حيث تم رصف المدرج بطبقات إسفلت واضحة وطلاء العلامات الجوية، في مشروع غامض لم تعلن أي جهة مسؤوليته.

مصادر بحرية وبيانات تتبع السفن بينت أن شركة شحن مسجلة في دبي تدعى Saif Shipping and Marine Services تولت نقل مواد الإسفلت إلى الجزيرة، بعد رحلة من ميناء بربرة في أرض الصومال، حيث تدير شركة دي بي وورلد الإماراتية الميناء هناك. الشركة نفت التعليق، في حين رُبطت عدة شركات إماراتية أخرى بمشاريع مشابهة لبناء مدارج عسكرية في الجزر والمناطق الساحلية اليمنية خلال السنوات الماضية، من بينها جزيرة ميون في مضيق باب المندب، وجزيرة عبد الكوري عند مدخل خليج عدن، ومدينة المخا على الساحل الغربي للبحر الأحمر.

هذا المدرج الجديد يضيف حلقة جديدة إلى شبكة من القواعد الجوية والعسكرية التي تمتد على طول الساحل اليمني والمياه المحيطة به، وتكشف اتساع النفوذ الإماراتي في البحر الأحمر تحت غطاء “محاربة الحوثيين” بينما تتجه الأنظار أكثر إلى السيطرة على طرق التجارة الدولية ومواقع الطاقة الحيوية.

القوى المناهضة للحوثيين، رغم تشتتها وتناقضاتها، أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الدعم الإماراتي والسعودي، في ظل فشل أي هجوم موحد ضد الحوثيين رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية المتكررة على اليمن خلال الأشهر الماضية. هذا التمدد العسكري البحري والجوي يثير تساؤلات حول الهدف الحقيقي، خاصة مع تأكيد خبراء أن بناء المدرج في جزيرة زقر يمنح من يقف وراءه قدرة هائلة على مراقبة المجال الجوي والبحري الممتد من البحر الأحمر حتى خليج عدن وباب المندب.

الجزيرة التي شهدت معارك سابقة بين اليمن وإريتريا في التسعينيات، كانت قد خضعت للحوثيين بعد سيطرتهم على صنعاء عام 2014، قبل أن تستعيدها قوات مدعومة من التحالف السعودي الإماراتي في 2015. ومنذ ذلك الوقت أصبحت نقطة تمركز بحرية لقوات طارق صالح، نجل شقيق الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، الذي تدعمه الإمارات بشكل مباشر.

كل المؤشرات تؤكد أن أبو ظبي تواصل بناء شبكة قواعد تمتد من جنوب البحر الأحمر إلى خليج عدن، في مسار يتقاطع مع المصالح الإسرائيلية والغربية في تأمين الممرات البحرية واحتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، بينما يدفع اليمنيون الثمن الأكبر. فالأراضي اليمنية تتحول إلى ساحات نفوذ وتقاسم بين قوى إقليمية، والبحر الأحمر يُعسكر بالكامل تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب” أو “مواجهة الحوثيين”، في حين أن الهدف الحقيقي هو بسط السيطرة على واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم.

المدرج الذي يبلغ طوله نحو ألفي متر يمكنه استقبال طائرات استطلاع وشحن عسكرية، ما يعني أن المنطقة ستخضع لمراقبة جوية دائمة، ليس فقط لتحركات الحوثيين، بل لكل ما يجري في البحر الأحمر. الصور التي حللتها وكالة أسوشييتد برس أوضحت أن عمليات البناء تمت بشكل منظم وسريع، تزامنًا مع نشاط متزايد لسفن مرتبطة بالإمارات في الميناء الجديد الذي أُنشئ على الجزيرة قبل الشروع في المدرج.

التوسع الإماراتي في الجزر اليمنية لم يعد سرًا. من المخا إلى ميون إلى عبد الكوري، والآن زقر، تتشكل خارطة نفوذ جديدة تشبه احتلالًا بحريًا صامتًا، هدفه السيطرة على الممرات الاستراتيجية تحت غطاء “تحالف دعم الشرعية”. ما يحدث في البحر الأحمر لم يعد شأنًا يمنيًا داخليًا، بل جزء من إعادة رسم الجغرافيا العسكرية في المنطقة في ظل الحرب على غزة، واشتباك المصالح بين واشنطن وتل أبيب وأبو ظبي والرياض.

المدرج الجديد في زقر لا يمثل مشروعًا هندسيًا بقدر ما هو إشارة إلى مرحلة جديدة من عسكرة البحر الأحمر وتحويله إلى مسرح دائم للقواعد والقصف والمراقبة. الملاحة الدولية التي تبرر بها هذه التحركات لم تكن يومًا في خطر من الشعب اليمني، لكنها اليوم تُهدد فعلًا من أطماع الدول التي تسيطر على الجزر والمضائق باسم الأمن.