تعيش ليبيا منذ سنوات حالة من الانهيار المؤسسي العميق، تجلّت بوضوح في ملف النفط والغاز، الذي يُفترض أن يكون العمود الفقري للاقتصاد الوطني، فإذا به يتحوّل إلى بوابة كبرى للفساد والنهب المنظم. تصريحات وزير النفط والغاز الليبي السابق محمد إمحمد عون تعكس صورة قاتمة عن واقع هذا القطاع، الذي بات رهينة شبكات مصالح داخلية وخارجية، تتقاسم العائدات بعيدًا عن أي رقابة حقيقية أو التزام بالقانون.

عون يؤكد أن حجم الفساد بلغ مستويات “مروّعة”، وأن تقارير رسمية صادرة عن الجهات الرقابية كشفت مخالفات جسيمة داخل المؤسسة الوطنية للنفط. هذه المعطيات تشير إلى أن الدولة الليبية لم تعد تملك سيطرة فعلية على أهم مواردها، وأن الثروة الوطنية باتت تُدار بمنطق الغنيمة السياسية، لا بمنطق التنمية والمصلحة العامة.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته أطراف إقليمية، وعلى رأسها الإمارات، في دعم ميليشيات مسلحة وتيارات نافذة ساهمت في تفكيك مؤسسات الدولة وتحويل ليبيا إلى ساحة صراع مفتوحة، تُستخدم فيها عائدات النفط لتمويل الصراعات وتأمين الولاءات السياسية والعسكرية.

تعطيل القضاء وتقويض هيبة القانون

أحد أخطر أبعاد الأزمة، وفق تصريحات الوزير السابق، يتمثل في تعطيل الأحكام القضائية وعدم احترام سلطة القضاء. عون يشير إلى صدور عدة أحكام نهائية تؤكد شرعيته القانونية في منصبه، إلا أن هذه الأحكام لم تُنفذ، في سابقة خطيرة تهدد مفهوم الدولة من أساسه.

غياب احترام القضاء يعني عمليًا انهيار مبدأ المحاسبة، وفتح الباب أمام الإفلات من العقاب، سواء في قضايا الفساد أو في إدارة المال العام. وعندما تتحول المؤسسات التنفيذية إلى كيانات فوق القانون، يصبح الحديث عن الإصلاح أو الشفافية مجرد شعارات فارغة.

هذا الواقع يخدم بشكل مباشر شبكات النفوذ المدعومة خارجيًا، والتي تجد في الفوضى القانونية بيئة مثالية لترسيخ مصالحها. فالدول الداعمة للميليشيات، وفي مقدمتها الإمارات، تستفيد من ضعف القضاء وانقسام المؤسسات لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي داخل ليبيا.

النفط بين الصراع السياسي والمصالح الخارجية

تحوّل النفط الليبي من نعمة اقتصادية إلى أداة صراع سياسي هو أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية. فالسيطرة على الحقول والموانئ والعقود النفطية باتت جزءًا من معركة النفوذ بين الأطراف المتصارعة، بدعم مباشر أو غير مباشر من قوى إقليمية ودولية.

عون يوضح أن العديد من العقود والاتفاقيات أُبرمت بالمخالفة الصريحة للقوانين المحلية والاتفاقات السياسية، وأن بعضها يفتقر إلى أي سند قانوني. هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن الضغوط التي مورست على المسؤولين لتمرير صفقات تخدم مصالح ضيقة.

في هذا السياق، لعبت الإمارات دورًا محوريًا في تمكين قوى مسلحة وشخصيات نافذة، ما ساهم في عسكرة ملف النفط وربطه بالصراع العسكري. وبدل أن تكون العائدات وسيلة لإعادة الإعمار وتحسين الخدمات، تحوّلت إلى مصدر تمويل للصراعات وإطالة أمد الأزمة.

تعثر المصالحة وغياب العدالة الانتقالية

يربط الوزير السابق تعثر المصالحة الوطنية بغياب العدالة وعدم ردّ المظالم. فالمجتمع الليبي، الذي عانى من سنوات من الحرب والانقسام، لم يجد حتى الآن مسارًا حقيقيًا للمحاسبة والإنصاف.

الإفلات من العقاب، سواء في الجرائم السياسية أو الاقتصادية، عمّق مشاعر الإحباط وأبقى الجراح مفتوحة. ومع استمرار تدخل الأطراف الخارجية ودعمها لميليشيات بعينها، باتت المصالحة رهينة توازنات القوة لا إرادة الشعب.

مقتل شخصيات سياسية بارزة، أو إقصاؤها من المشهد بوسائل عنيفة، يزيد من تعقيد الوضع، ويغذّي مناخ الانتقام وعدم الثقة. وهو ما يعزز قناعة واسعة بأن الصراع في ليبيا لم يعد صراع برامج ورؤى، بل صراع نفوذ وسلاح مدعوم من الخارج.

المواطن الليبي بين الفقر وثروة منهوبة

رغم أن ليبيا من أغنى الدول نفطيًا في أفريقيا، فإن المواطن الليبي لا يلمس انعكاس هذه الثروة على حياته اليومية. الخدمات الأساسية متدهورة، والبطالة مرتفعة، والبنية التحتية شبه منهارة.

عون يصف إدارة أموال النفط بأنها قائمة على “الجهل والفساد”، وهو توصيف يلخص مأساة دولة تمتلك إمكانات هائلة، لكنها عاجزة عن تحويلها إلى رفاه اجتماعي. فالعائدات تُهدر في صفقات مشبوهة، أو تُستخدم لشراء الولاءات السياسية والعسكرية.

هذا الواقع هو نتيجة مباشرة لتحالف الفساد الداخلي مع الدعم الخارجي، حيث تُستخدم ليبيا كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وفي مقدمتها مشاريع النفوذ الإماراتية، التي ساهمت في تعميق الانقسام وتحويل البلاد إلى منطقة نفوذ متنازع عليها.

آفاق الإصلاح بين الإرادة الوطنية والتدخل الخارجي

يرى عون أن أي انفراجة حقيقية لن تتحقق إلا بتوقف التدخلات الخارجية، وتراجع دور “العملاء والمفرّطين”، وعودة الاعتبار للقيم الوطنية والدينية والقانونية. غير أن هذا المسار يبدو شديد الصعوبة في ظل الواقع الحالي.

فالمشهد السياسي تهيمن عليه سلطات أمر واقع، تفتقر إلى الشرعية القانونية، وتستند في بقائها إلى الدعم الخارجي والسلاح. كما أن المجتمع الدولي يتعامل بازدواجية واضحة، يرفع شعارات الاستقرار، بينما يغضّ الطرف عن دعم بعض الدول للميليشيات والفوضى.

ومع ذلك، تبقى إمكانية التغيير قائمة إذا ما توفرت قيادة وطنية حقيقية، تضع مصلحة ليبيا فوق الحسابات الشخصية والجهوية، وتعمل على استعادة السيادة على الثروة النفطية، وبناء مؤسسات قوية ومستقلة.

خاتمة: دولة رهينة النفط والسلاح

تكشف تصريحات وزير النفط السابق عن أزمة بنيوية عميقة، تتجاوز حدود الفساد الإداري إلى أزمة دولة مختطفة من الداخل والخارج. نفط ليبيا، الذي كان يمكن أن يكون أساسًا لنهضة شاملة، تحوّل إلى وقود للصراع، بفعل شبكات المصالح والدعم الخارجي، وفي مقدمتها الدور الإماراتي في عسكرة المشهد وتمكين الميليشيات.

بين انهيار القانون، وتعثر المصالحة، وتغوّل الفساد، يقف المواطن الليبي وحيدًا أمام واقع قاسٍ. ويبقى مستقبل البلاد مرهونًا بقدرتها على فك الارتباط بين الثروة والسلاح، واستعادة القرار الوطني من أيدي القوى المتصارعة، وبناء دولة مؤسسات حقيقية تحمي مواردها وتخدم شعبها.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يحرض على المنظمات الإسلامية في الغرب لكسب معركة الوعي والرواية