في مشهد يعكس تغيرًا عميقًا في المزاج الأمريكي تجاه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، برز تحالف غير معتاد بين أعضاء في الكونغرس الأمريكي ونجوم من هوليوود، دعوا صراحةً إلى حظر إرسال القنابل والأسلحة الهجومية لـ”إسرائيل”، متهمين الحكومة الأمريكية بالتواطؤ في حملة “تطهير عرقي” ضد الفلسطينيين.

ويأتي هذا التحرك في وقت تتراجع فيه فاعلية الرواية الإسرائيلية في الرأي العام الأمريكي والدولي، بعدما باتت مشاهد المجازر والدمار في غزة تخترق جدران الدعاية الرسمية وتضع واشنطن تحت ضغط أخلاقي وسياسي متزايد.

 

تقرير الكونغرس: واشنطن شريكة في التطهير العرقي

أحدث تقرير أصدره السيناتوران جيف ميركلي (ديمقراطي-أوريغون) وكريس فان هولن (ديمقراطي-ماريلاند) زلزالًا سياسيا داخل واشنطن، إذ حمّل الإدارة الأمريكية مسؤولية التواطؤ في حملة تطهير عرقي تنفذها حكومة بنيامين نتنياهو بحق سكان غزة. وأوضح ميركلي أن مشاهداته في رفح، التي حوّلتها إسرائيل إلى أنقاض، أثبتت وجود خطة ممنهجة لخنق الحياة في القطاع، تشمل تدمير المنازل والمستشفيات والبنية التحتية، وحرمان السكان من الغذاء والماء والدواء والمأوى.

وأكد التقرير أن الدمار لا يقتصر على القنابل والرصاص، بل يشمل سياسة مدروسة لخنق المساعدات الإنسانية، وُصفت بـ”استخدام الغذاء كسلاح حرب”. كما حذّر من أن وصف التهجير الفلسطيني بأنه “خروج طوعي” هو “أكذوبة خبيثة”، مشددًا على أن الهدف هو دفع الفلسطينيين قسرًا إلى مغادرة غزة عبر جعل الحياة فيها مستحيلة.

مديرة فرع مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية في ماريلاند، زينب شودري، أشادت بـ”شجاعة” ميركلي وفان هولن في مواجهة ضغوط سياسية هائلة، معتبرة التقرير “صرخة ضمير” توثّق ما حذّرت منه المنظمات الحقوقية منذ أشهر. وطالبت المجلس بوقف فوري للمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل وتفعيل القوانين الخاصة بحقوق الإنسان، معتبرة استمرار الدعم الأمريكي بمثابة “تمويل مباشر لجرائم حرب”.

هوليوود تدخل المعركة: مقاطعة السينما الإسرائيلية ودعم قانون حظر القنابل

في موازاة التحركات التشريعية، زار النجمان الأمريكيان سينثيا نيكسون ومورغان سبيكتور مبنى الكونغرس للدفع باتجاه تمرير مشروع قانون “حظر القنابل”، الهادف لمنع إرسال الأسلحة الهجومية لإسرائيل. ورافقهما الناشط الطلابي محمود خليل والدكتور عادل حسين الذي عمل طبيبًا في غزة مؤخرًا، حيث عقد الفريق اجتماعات مع نواب وقّع بعضهم على المشروع بالفعل.

وقالت نيكسون خلال مؤتمر صحفي إن “القضية الفلسطينية لم تعد خطًا أحمر في السياسة الأمريكية كما كان يُعتقد سابقًا”، مؤكدة أن “غالبية الأمريكيين يرون تمويل القنابل لدولة تمارس الفصل العنصري أمرًا مرفوضًا”. أما سبيكتور، فأشار إلى توقيع أكثر من 4000 شخص من العاملين في السينما على عريضة لمقاطعة المؤسسات السينمائية الإسرائيلية المتورطة في التمييز والانتهاكات.

هذه المواقف تكشف أن هيمنة الرواية الإسرائيلية في الأوساط الثقافية والإعلامية الأمريكية لم تعد مطلقة كما كانت، وأن تأثير صور الضحايا الفلسطينيين بدأ يتغلغل حتى داخل صناعة الترفيه، أحد أقوى أدوات تشكيل الرأي العام في الولايات المتحدة.

تضامن شعبي واسع: أسطول ميلووكي واحتجاجات في أنحاء أمريكا

في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن، انطلقت عشرات القوارب الصغيرة على نهر ميلووكي ضمن فعالية تضامن مع “أسطول الصمود العالمي” الذي يضم أكثر من 50 سفينة و15 ألف ناشط من 44 دولة يهدفون لإيصال مساعدات إلى غزة وكسر الحصار الإسرائيلي. حمل المشاركون أعلام فلسطين ورددوا هتافات مناهضة للاحتلال، في مشهد يرمز لاتساع التضامن الشعبي خارج قاعات السياسة والإعلام التقليدي.

كما شهدت مدن واشنطن ونيويورك وشيكاغو ولوس أنجلوس وهيوستن موجة احتجاجات واسعة خلال الأسبوع الماضي، رفع المشاركون فيها الأعلام الفلسطينية وطالبوا بوقف العدوان ورفع الحصار، فيما نظم طلاب جامعة كولومبيا اعتصامًا أمام مقر الأمم المتحدة، وشهد البيت الأبيض تجمعات ضخمة رافضة للمساعدات الأمريكية لإسرائيل.

هذه التحركات التي تجمع بين العمل الإنساني والاحتجاج السياسي تؤكد أن الرأي العام الأمريكي لم يعد يتلقف الدعاية الإسرائيلية بنفس القبول السابق، وأن أصوات الفلسطينيين وحقوقهم باتت تحظى بتعاطف متزايد، حتى داخل قطاعات ظلت تاريخيًا حذرة من انتقاد إسرائيل علنًا.

خفوت الرواية الإسرائيلية وصعود خطاب المحاسبة

تُظهر هذه التطورات المتزامنة أن الرواية الإسرائيلية التي طالما روّجت لعدوانها على غزة باعتباره “دفاعًا عن النفس” باتت تتآكل تدريجيًا في الوعي الأمريكي. فالمشاهد اليومية للمجازر والدمار وصرخات الأطفال تحت الأنقاض نسفت خطاب “محاربة الإرهاب”، وأحلت مكانه خطابًا جديدًا يصف ما يجري بأنه “تطهير عرقي” و”عقوبات جماعية”، وهي مفردات كانت غائبة تمامًا عن الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي السائد.

إن دخول شخصيات بارزة من الكونغرس وهوليوود على خط الضغط من أجل وقف تسليح إسرائيل، يعكس تحوّلًا غير مسبوق في مراكز التأثير الأمريكية، ويؤشر إلى بداية تراجع نفوذ اللوبي الإسرائيلي داخل الحياة العامة، خاصة مع تنامي الحراك الشعبي والشبابي الرافض للحرب.

وبينما كانت إسرائيل تعتمد لعقود على تفوقها الدعائي في الغرب، فإن صور الضحايا الفلسطينيين ومعاناة غزة باتت تكسر هذا التفوق وتفتح الباب لمحاسبة حلفائها، وعلى رأسهم واشنطن، في خطوة قد تشكّل بداية نهاية “الحصانة السياسية” التي تمتعت بها دولة الاحتلال لعقود داخل الولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا : قمة عربية – إسلامية طارئة في الدوحة لمواجهة العدوان الإسرائيلي