في حين تواجه مدينة نيوم حالة من عدم اليقين وسط تصاعد التحديات المالية والإدارية، برزت شركة الاستشارات العملاقة “ماكنزي وشركائه” كمستفيد رئيسي من المشروع الطموح.
وفقًا لتقارير دولية، تحقق الشركة أرباحًا سنوية تتجاوز 130 مليون دولار مقابل دورها الاستشاري في المشروع. ومع ذلك، فإن هذه الأرباح الضخمة لم تأتِ دون إثارة الجدل، حيث تواجه ماكنزي اتهامات بالتورط في تضارب المصالح والتلاعب بالتقارير المالية.
اتهمت تقارير صحفية الشركة بتقديم صورة مالية متفائلة عن نيوم، مما ساهم في تبرير الارتفاع الهائل في تقديرات التكلفة.
وعلى الرغم من نفي ماكنزي لهذه الادعاءات وتأكيدها على اتباع “بروتوكولات صارمة لمنع تضارب المصالح”، إلا أن التقارير المستقلة تشير إلى أن دورها كان أساسيًا في تضخيم الميزانيات المخصصة لنيوم، ما يثير تساؤلات حول جدوى المشروع وقدرته على تحقيق الأهداف المعلنة.

8.8 تريليون دولار.. التكلفة التي تتجاوز الخيال
تعتبر مدينة نيوم واحدة من أكثر المشاريع المثيرة للجدل في تاريخ السعودية، حيث تجاوزت التكلفة التقديرية للمشروع 8.8 تريليون دولار، أي ما يعادل أكثر من 25 ضعف الميزانية السنوية للمملكة.
وبحسب تقارير “وول ستريت جورنال” و”ذا إيكونوميك تايمز”، فإن المرحلة الأولى فقط، والتي تمتد حتى عام 2035، تحتاج إلى 370 مليار دولار على الأقل.
ورغم الضجة الإعلامية التي صاحبت الإعلان عن المشروع، إلا أن وتيرة التقدم كانت بطيئة بشكل مثير للقلق، حيث لم تتجاوز قيمة الإنفاق حتى الآن 50 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم العقبات التي تعترض تنفيذ هذا المخطط الطموح.
وبالنظر إلى الوضع المالي الحالي للمملكة، فإن تحقيق هذا المشروع يبدو أقرب إلى السراب منه إلى الواقع، خاصة في ظل أزمة الاقتصاد العالمي والانخفاضات المتكررة في أسعار النفط.
سندالة.. مدينة أشباح بعد انطلاقة باذخة
لا تقتصر إخفاقات رؤية ابن سلمان على مشروع نيوم فقط، بل تمتد إلى مشاريع أخرى كان يُراد لها أن تكون واجهةً للتطور والازدهار في السعودية، لكنها انتهت إلى أن تكون مجرد واجهات خاوية من الإنجاز.
من بين هذه المشاريع، تأتي جزيرة سندالة، التي كان يُفترض أن تكون أولى الوجهات السياحية الفاخرة في إطار خطة نيوم.
أنفقت المملكة ما يقارب 45 مليون دولار على حفل الافتتاح، حيث تم استقطاب مشاهير عالميين لحضور الحدث الذي كان يُراد له أن يكون إعلانًا لانطلاق مشروع سياحي ضخم.
لكن وبعد مرور أربعة أشهر، لا تزال الجزيرة غير مكتملة، حيث لم يتم افتتاح الفنادق أو ملعب الجولف، مما ترك موظفي المطاعم بدون عمل فعلي. هذا التأخير الكبير يعكس الفجوة بين الدعاية الإعلامية الضخمة والواقع البطيء التنفيذ.
المفارقة أن الجزيرة التي رُوّج لها كمركز سياحي فاخر لم تستقبل حتى الآن ضيوفًا فعليين، مما يجعلها مثالًا حيًا على إخفاقات السياسة الاقتصادية لولي العهد محمد بن سلمان، حيث يتم التركيز على الضجة الإعلامية بدلاً من الإنجازات الفعلية على الأرض.
نيوم.. الحلم الذي ينهار تحت وطأة الواقع
تمثل نيوم أحد أبرز مشاريع “رؤية 2030” التي يقودها ولي العهد السعودي، إلا أنها باتت نموذجًا واضحًا للوعود التي تتبخر مع الوقت، فبدلاً من أن تكون “المدينة المستقبلية” التي ستغير وجه الاقتصاد السعودي، تحولت إلى مشروع يعاني من تضخم مالي، تباطؤ في التنفيذ، وفساد إداري واضح.
يتضح من تقارير الصحف العالمية أن التقديرات المالية غير الواقعية وعدم التخطيط الدقيق يشكلان العقبة الرئيسية أمام نجاح المشروع، حيث تُنفق المليارات دون تحقيق نتائج ملموسة.
ويبدو أن السعودية لا تزال تحاول تغطية إخفاقات المشروع عبر الدعاية الإعلامية الضخمة، في حين أن الأرقام على الأرض تكشف عن مأزق اقتصادي كبير.
الخاتمة: مشاريع ابن سلمان.. فشل متكرر وانتهاكات فادحة
تكشف تجربة نيوم وسندالة عن نمط متكرر من المشاريع الضخمة التي يتم الترويج لها بشكل مبالغ فيه، لكنها تفشل في تحقيق أهدافها بسبب سوء الإدارة، تضارب المصالح، وانعدام الرؤية الواقعية.
ذلك على الرغم من الانتهاكات الحقوقية الصارخة وعلى رأسها قتل المواطن عبد الرحيم الحويطي في أرضه من أجل الاستحواذ عليها وبناء مشاريع ولي العهد الوهمية ثم أراد الإعلام السعودي أن يخفى تلك الانتهاكات بشتى الطرق حتى أنه ادعى وجود نبته نادرة فقرر ولي العهد باطش نقل مشروعه حفاظا على النبتة.
وبينما يستمر إنفاق المليارات على مشاريع غير مكتملة، يواجه الاقتصاد السعودي تحديات أكبر، حيث تتزايد الديون وتتقلص الإيرادات النفطية.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن “رؤية 2030” التي أرادها ابن سلمان لإعادة تشكيل الاقتصاد السعودي تتجه نحو التعثر أكثر من التحقق، مما يضع المملكة أمام تحديات مستقبلية غير مسبوقة. فهل ستتمكن السعودية من تجاوز هذه الأزمات، أم أن مشاريعها الكبرى ستظل مجرد وعود على الورق؟
اقرأ أيضًا : نيوم: بين الأوهام والحقائق.. كيف زيف المسؤولون الواقع لبن سلمان؟