في تطور خطير يكشف عن النوايا الإسرائيلية الحقيقية تجاه جنوب قطاع غزة، كشفت صحيفة هآرتس نقلاً عن مصادر أمنية إسرائيلية، أن الجيش يخطط لتحويل مدينة رفح إلى جزء من “المنطقة العازلة” التي يسعى الاحتلال لفرضها بالقوة على طول الحدود الشرقية والغربية للقطاع.
ووفقًا للتقرير، فإن هذا المخطط يشمل منع عودة السكان إلى المدينة بشكل كامل، والنظر جديًا في هدم كل المباني والمنشآت القائمة داخل المدينة، تمهيدًا لفرض واقع ميداني جديد يهدف إلى توسيع السيطرة العسكرية الإسرائيلية الدائمة جنوب القطاع، وعزل رفح عن بقية المدن الفلسطينية.
استنساخ نموذج التدمير في شمال غزة
تشير تسريبات “هآرتس” إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتزم تطبيق النموذج نفسه الذي نفذه في شمال قطاع غزة على منطقة رفح، وهو النموذج القائم على التدمير الشامل للبنية التحتية، تهجير السكان قسرًا، وتحويل المناطق إلى أراضٍ خالية من السكان يمكن السيطرة عليها عسكريًا دون مقاومة بشرية.
وتدل هذه الخطط على أن الاحتلال لا يسعى فقط إلى توجيه ضربات إلى حركة “حماس”، كما يزعم في خطاباته الرسمية، بل إلى إحداث تغيير ديمغرافي وجغرافي شامل في القطاع، يتماشى مع مخططات طويلة الأمد ترمي إلى إضعاف الكيان الفلسطيني، وتحويل القطاع إلى مناطق متناثرة معزولة وغير قابلة للحياة.
وتُعدّ رفح، التي تضمّ أكثر من 250 ألف نسمة قبل الحرب، آخر الملاذات المتبقية لأهالي القطاع بعد التهجير القسري من الشمال والوسط.
وقد شكّلت المدينة، الواقعة على الحدود مع مصر، نقطة استراتيجية مهمة، سواء للمعابر أو للأنفاق أو للتواصل مع العالم الخارجي، وهو ما يجعلها هدفًا أساسيًا لإسرائيل ضمن مخطط خنق غزة بالكامل.

ممر موراغ: التوسع العسكري تحت غطاء “الأمن”
وفي إطار هذه السياسة التصعيدية، كشفت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي بدأ بتوسيع ما يُعرف بـ”ممر موراغ”، وهو طريق عسكري يشق القطاع من الشرق إلى الغرب، ويمتد نحو رفح، حيث تقوم قوات الاحتلال بتدمير المباني الواقعة على طول هذا الممر تحت ذرائع أمنية.
ويهدف هذا الممر إلى ربط الحدود مع إسرائيل مباشرة بالبحر، مما يسهل عمليات التوغل والتقسيم الجغرافي، ويضعف إمكانية تواصل السكان داخل القطاع.
ولا تخرج هذه الخطوة عن مخطط الاحتلال الأكبر، والذي يتضمن إنشاء منطقة عازلة بعرض يتجاوز الكيلومترين داخل قطاع غزة، تُمنع فيها أي حركة أو بناء، وتُستخدم لأغراض أمنية واستخباراتية.
وهذه السياسة تمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني، كونها تنطوي على تغيير قسري في طبيعة الأرض والسكان، وتندرج ضمن جرائم التهجير القسري والتطهير العرقي.
رفح أداة جديدة للابتزاز السياسي
ووفقًا للتقديرات الأمنية التي نقلتها “هآرتس”، فإن التحرك في رفح ليس فقط ذا طابع عسكري، بل يحمل أيضًا أهدافًا سياسية واضحة، أبرزها استخدام المدينة كأداة ضغط جديدة على حركة “حماس”، سواء في ملف التفاوض حول الأسرى أو في أي ترتيبات سياسية مستقبلية. ويأتي ذلك في ظل إدراك الاحتلال أن تدمير رفح بالكامل سيزيد من الأعباء الإنسانية على المقاومة الفلسطينية، ويعزز الانقسام بين فصائل القطاع، ويوجه رسالة مفادها أن أي منطقة تقدم الدعم لحماس ستُمسح عن الخارطة.
لكن هذا التوجه ينذر بكارثة إنسانية وشيكة، إذ تُعدّ رفح ملاذًا لقرابة مليون نازح من مختلف مناطق غزة، والحديث عن تدميرها يعني إعادة إنتاج نكبة جديدة بحق الشعب الفلسطيني، في ظل صمت دولي مطبق، وتواطؤ بعض الأطراف الإقليمية التي تغضّ الطرف عن هذه الجرائم.
انتهاكات ممنهجة ومعركة تهويد خفية
تندرج هذه الإجراءات ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي يرتكبها الاحتلال في غزة منذ بدء عدوانه الحالي، والتي تشمل القصف العشوائي للمنازل، استهداف المدارس والمستشفيات، منع دخول المساعدات الإنسانية، واستخدام المدنيين كأدوات تفاوض.
وتؤكد المنظمات الحقوقية الدولية أن ما يحدث في رفح وباقي مناطق القطاع يُعدّ خرقًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، ويستدعي محاسبة دولية عاجلة.
لكن الاحتلال يواصل انتهاكاته بتواطؤ من بعض القوى الكبرى، مستغلًا ذريعة “مكافحة الإرهاب” لتبرير سياساته الاستعمارية التوسعية.
وتحذر تقارير أممية من أن استمرار هذا النهج يعني الدخول في مرحلة التهويد الجغرافي لغزة، بحيث تُمحى معالم الحياة الفلسطينية تمامًا، ويُفرض على الفلسطينيين واقعًا جديدًا لا رجعة فيه.
هل تُترك رفح وحدها؟
في ظل هذه المعطيات، يصبح السؤال الملح: هل تُترك رفح لمصيرها كما تُركت غزة من قبلها؟ وهل سيواصل العالم غضّ الطرف عن أكبر عملية تطهير عرقي في العصر الحديث تُنفذ أمام عدسات الكاميرات؟ إن ما يجري في رفح ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو جزء من مشروع استعماري ممنهج يستهدف تفكيك النسيج الفلسطيني بالكامل.
وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل لوقف هذه الكارثة، فإننا أمام مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها تهويد غزة، وتدفيع الفلسطينيين ثمنًا باهظًا لصمودهم في وجه الاحتلال، في ظل تواطؤ أنظمة عربية وصمت مؤسسات أممية، تُنذر بكارثة لن تقف عند حدود رفح.