تشهد الضفة الغربية المحتلة موجة جديدة من التصعيد العسكري والاستيطاني، تؤكد مجددًا أن سياسات الاحتلال الإسرائيلي لم تعد تقتصر على إدارة الصراع، بل تتجه نحو فرض واقع قسري قائم على القتل والترهيب والعقاب الجماعي. ففي الساعات الماضية، استشهد الفتى محمد وهبي عبد العزيز حنني (17 عامًا) متأثرًا بإصابته برصاص قوات الاحتلال في بلدة بيت فوريك شرق نابلس، في مشهد يعكس استمرار استهداف فئة الشباب والأطفال ضمن سياسة ممنهجة لكسر إرادة المجتمع الفلسطيني.

وتزامن ذلك مع إصابة عدد من الفلسطينيين خلال اقتحام البلدة، بينهم شاب أصيب في الرأس وطفل أصيب في قدمه بالرصاص الحي، إضافة إلى إصابة طفل آخر خلال المواجهات. هذه الحوادث المتكررة تؤكد أن جيش الاحتلال يتعامل مع المناطق الفلسطينية باعتبارها ساحات مفتوحة لإطلاق النار، دون اعتبار للأعمار أو للمدنيين.

الاعتقالات والاقتحامات: سياسة العقاب الجماعي

لم يتوقف التصعيد عند حدود القتل والإصابات، بل امتد إلى حملات اعتقال واسعة، خاصة في المناطق الشرقية من الضفة. فقد اقتحم جيش الاحتلال تجمع الحثرورة البدوي قرب الخان الأحمر جنوب أريحا، واعتقل عشرة مواطنين بينهم طفل، في استمرار لسياسة تهدف إلى تفريغ التجمعات البدوية وتهجير سكانها قسرًا.

كما اعتُقل طفل من بلدة الزاوية غرب سلفيت، واقتحمت قوات الاحتلال بلدة حزما شمال شرق القدس، وفتشت المنازل ولاحقت الشبان. وتُعد هذه العمليات جزءًا من منظومة ضغط متكاملة، تهدف إلى إرهاق المجتمع الفلسطيني أمنيًا ونفسيًا، وتحويل حياته اليومية إلى دائرة مستمرة من القلق والخوف.

وتُستخدم الاعتقالات، خاصة بحق الأطفال، كوسيلة ردع جماعي ورسالة تهديد لبقية السكان، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات حماية المدنيين.

المستوطنون: ذراع موازٍ لجيش الاحتلال

بالتوازي مع تحركات الجيش، يواصل المستوطنون اعتداءاتهم المنظمة ضد الفلسطينيين، تحت حماية مباشرة من القوات الإسرائيلية. فقد أصيب أربعة فلسطينيين، بينهم طفل، خلال هجومين نفذهما مستوطنون وسط وجنوب الضفة، استخدم فيها الرصاص والضرب.

وفي منطقة مسافر يطا جنوب الخليل، تعرض مسن فلسطيني لاعتداء عنيف من قبل مستوطنين، فيما عرقل الجيش عمل طواقم الإسعاف، في مشهد يعكس التواطؤ الكامل بين المؤسسة العسكرية والمستوطنين.

لم تعد اعتداءات المستوطنين أحداثًا عشوائية أو فردية، بل تحولت إلى أداة استراتيجية ضمن مشروع الاستيطان، تهدف إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم بالقوة، وفرض واقع جديد قائم على الخوف والترويع.

الخليل والقدس: حصار يومي واستفزاز منظم

في مدينة الخليل، اقتحم عشرات المستوطنين والجنود البلدة القديمة، وأغلقوا الشوارع الرئيسية، ما أدى إلى تعطيل حياة السكان، خاصة في الساعات التي سبقت الإفطار في شهر رمضان. وتتحول هذه الاقتحامات الأسبوعية إلى طقس استفزازي دائم، يستهدف كرامة الفلسطينيين وحقهم في ممارسة حياتهم الطبيعية.

ويُستخدم الإغلاق المتكرر للطرق والأسواق كأداة اقتصادية أيضًا، لإضعاف التجار وخنق النشاط التجاري، ودفع السكان إلى الهجرة القسرية من المناطق التاريخية الحساسة.

أما في القدس ومحيطها، فتتواصل الاقتحامات والتفتيش والملاحقات، في إطار خطة تهويد شاملة تستهدف تغيير هوية المدينة وتركيبتها السكانية.

أرقام تكشف حجم الجريمة المستمرة

منذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت الضفة الغربية تصعيدًا غير مسبوق. فقد أسفرت اعتداءات الاحتلال عن استشهاد أكثر من 1116 فلسطينيًا، وإصابة نحو 11,500 آخرين، إضافة إلى اعتقال قرابة 22 ألفًا، بينهم آلاف الأطفال والنساء.

هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الخسائر البشرية، بل تكشف عن طبيعة السياسة الإسرائيلية القائمة على استنزاف المجتمع الفلسطيني، وتفكيك بنيته الاجتماعية، وتحويله إلى مجتمع يعيش تحت الضغط الدائم.

إجرام ممنهج في ظل صمت دولي

ما يجري في الضفة الغربية لا يمكن فصله عن السياق العام للحرب على الشعب الفلسطيني، سواء في غزة أو القدس أو الداخل المحتل. فالقتل، والاعتقال، والاستيطان، والتهجير، كلها أدوات ضمن مشروع واحد يسعى إلى فرض الهيمنة الكاملة وإنهاء أي أفق لقيام دولة فلسطينية مستقلة.

ويزداد هذا الإجرام في ظل صمت دولي وعجز مؤسسات العدالة الدولية عن محاسبة الاحتلال، ما يمنحه ضوءًا أخضر للاستمرار في انتهاكاته دون رادع.

وفي ظل هذا الواقع، تتحول الضفة الغربية إلى ساحة مفتوحة للاعتداء اليومي، فيما يواصل الفلسطينيون صمودهم رغم الكلفة الباهظة، مؤكدين أن إرادة البقاء والمقاومة أقوى من آلة القمع، وأن جرائم الاحتلال لن تنجح في كسر حقهم في الحرية والكرامة.

اقرأ أيضا : من النيل إلى الفرات.. تصريحات السفير الأمريكي تكشف عقيدة التوسع الإسرائيلي وخطرها على المنطقة