أعلنت دمشق، اليوم السبت، وقفًا فوريًا لإطلاق النار في محافظة السويداء جنوب سوريا، وبدء انتشار قوات الأمن الداخلي في محاولة لفرض الاستقرار بعد أسبوع دامٍ من الاشتباكات بين الفصائل الدرزية والعشائر العربية، والتي تخللتها ضربات إسرائيلية غير مسبوقة.
وبينما بدت هذه الخطوة من الحكومة السورية محاولة لاستعادة زمام المبادرة، فإن توقيتها وتفاصيلها كشفت عن اتفاق سياسي وأمني تمّ بوساطة دولية وبتفاهمات ضمنية مع “إسرائيل”، ما يثير تساؤلات حيال طبيعة السيادة السورية والحدود الحقيقية لهذا “الهدوء”.

عودة الأمن أم إدارة للأزمة؟
أوضحت الرئاسة السورية في بيان رسمي أن “قوات الأمن بدأت الانتشار في مناطق متعددة من السويداء لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار”، مشددة على أن أي خرق للاتفاق سيُعد “انتهاكًا للسيادة السورية”، في لهجة حذرة تعكس هشاشة التفاهمات. وجاء هذا بعد ساعات فقط من إعلان المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس براك، أن دمشق وتل أبيب توصلتا إلى تفاهم مشترك لوقف إطلاق النار برعاية أميركية ودعم من تركيا والأردن.
وبينما أكدت وزارة الداخلية السورية أن هدف الانتشار الأمني هو “حماية المدنيين ووقف الفوضى”، فإن المعلومات المتقاطعة من مصادر أمنية وإعلامية كشفت أن الاتفاق شمل أيضًا بندًا مثيرًا للجدل، يتمثل بدمج عناصر من الفصائل الدرزية المسلحة ضمن قوى الأمن السورية وتسليم السلاح الثقيل.
لكنّ هذا التحرك لا يُخفي واقعًا مرًّا: فالدولة السورية لم تبادر إلى فرض سيادتها إلا بعد انسحاب مهين من السويداء تحت الضغط الإسرائيلي، ما يضع علامة استفهام كبيرة حول من يُدير الأرض فعليًا، ومن يُحدد متى تبدأ الحرب ومتى تتوقف.
من يدير المسرح؟ إسرائيل حاضرة والولايات المتحدة تفاوض
أثار دخول “إسرائيل” على خط الأزمة بشكل علني، عبر قصف مكثف لمواقع الجيش السوري في السويداء خلال الأيام الماضية، ثم قبولها باتفاق مع دمشق لوقف إطلاق النار، ردود أفعال غاضبة في الشارع السوري.
فقد بدا أن تل أبيب تستثمر الفوضى جنوب البلاد لإعادة تشكيل المعادلات الأمنية في المناطق الحدودية.
وبحسب تقارير متقاطعة، فإن الضربات الجوية الإسرائيلية جاءت دعمًا لفصائل درزية مدعومة سرًا، بعد أن حاولت القوات السورية طردها من المدينة. وبعد انسحاب القوات، شنّت هذه الفصائل هجمات على مناطق تسكنها العشائر العربية، وهو ما وصفته السلطات السورية بـ”المجازر”، مما دفع العشائر للرد بهجوم مضاد، وأدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى وتهجير آلاف المدنيين.
تصريحات توماس براك بأن الاتفاق “يهدف إلى بناء هوية سورية جديدة توحد الدروز والبدو والسنة مع بقية الأقليات” تحمل دلالات خطيرة. فهي تعكس توجهًا أميركيًا واضحًا لتدويل الأزمة السورية عبر فرض ترتيبات سياسية وإثنية على الأرض من خارج الحدود، في تجاهل تام لاعتبارات السيادة الوطنية السورية.
واقع السويداء.. خراب إنساني ومأزق سياسي
بينما تتسارع التحركات الدبلوماسية، تعيش مدينة السويداء أوضاعًا كارثية على الصعيد الإنساني. فالكهرباء مقطوعة منذ أيام، والمواد الغذائية والمياه بدأت بالنفاد، بحسب شهادات السكان. وتشير تقديرات وزارة الصحة السورية إلى سقوط 260 قتيلاً وأكثر من 1600 جريح، في حين وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 321 مدنيًا خلال الاشتباكات، بينهم أطفال ونساء وكوادر طبية.
تستمر الاشتباكات على أطراف المدينة حتى الآن رغم إعلان وقف إطلاق النار، حيث تحدثت مصادر ميدانية عن وصول آلاف المقاتلين من العشائر إلى تخوم المدينة، ما يجعل الاتفاق عرضة للانهيار في أي لحظة، خصوصًا في ظل رفض بعض الفصائل المحلية تسليم أسلحتها، وتباين المواقف داخل الجسم الدرزي نفسه.
في هذا السياق، تُطرح تساؤلات عن قدرة الدولة على استعادة السيطرة الكاملة، في ظل التهديدات المتزايدة بعودة السيناريوهات الليبية أو اليمنية إلى الجنوب السوري. فهل تملك دمشق القدرة الأمنية والسياسية على فرض الهدوء؟ أم أن الدور الأميركي ـ الإسرائيلي سيتحول إلى وصاية طويلة الأمد على هذه المنطقة الحساسة؟
خاتمة: هدنة مشروطة وسيناريوهات مفتوحة
ما جرى في السويداء ليس مجرد اشتباكات محلية، بل هو اختبار قاسٍ لهيبة الدولة السورية ومكانتها الإقليمية. إذ أن وقف إطلاق النار لم يأت من إرادة وطنية خالصة، بل في سياق تفاهمات دولية تفرض وقائع جديدة على الأرض، من بينها تقليص نفوذ الجيش السوري، وتعزيز أدوار الفصائل المحلية بغطاء سياسي وأمني خارجي.
وبينما تستعد دمشق لإعادة ترتيب أوراقها جنوبًا، يبقى السؤال المركزي: هل سيكون هذا الاتفاق خطوة نحو الاستقرار، أم بداية لمرحلة جديدة من التدويل والتقسيم المقنع؟ السويداء اليوم هادئة، لكن تحت هذا الهدوء تتراكم ألغام سياسية وأمنية قد تنفجر في أي لحظة.
اقرأ أيضًا : الشرع يرد على الغطرسة الإسرائيلية: لا نخشى الحرب لكننا اخترنا حماية الوطن