في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وتصاعد الضغوط الإنسانية والسياسية، تبرز مبادرة جديدة حملها الوسطاء المصريون والقطريون، تحمل في طياتها ملامح اتفاق لوقف إطلاق النار مؤقتًا، إلى جانب صفقة تبادل أسرى جزئية.
الجديد في هذه الجولة أنّ حركة المقاومة الإسلامية حماس أبلغت موافقتها على المقترح، ما يفتح الباب أمام جولة مفاوضات جديدة، بينما يبقى الموقف الإسرائيلي غامضًا ومماطلًا.

تفاصيل المقترح: هدنة مؤقتة وصفقة جزئية
يقوم المقترح الجديد، الذي يستند إلى مسودة المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، على وقف إطلاق نار لمدة ستين يومًا، يتخلله تبادل جزئي للأسرى. ووفق البنود الأولية، ستعيد المقاومة عشرة أسرى إسرائيليين أحياء و18 جثة على دفعتين، مقابل التزام الاحتلال بالانسحاب إلى مواقعه السابقة قبل انهيار هدنة كانون الثاني/يناير الماضي.
خلال هذه الفترة، تبدأ مفاوضات شاملة برعاية مصر وقطر للوصول إلى صيغة تنهي الحرب على غزة بشكل دائم، مع بحث ترتيبات ما بعد الحرب، بما في ذلك إدارة القطاع والترتيبات الأمنية.
ويتضمن المقترح بنودًا إنسانية تشمل إدخال المساعدات إلى غزة، وإن كان بآلية غير محددة مقارنة ببروتوكولات سابقة تراجع الاحتلال عنها، ما يثير مخاوف من إعادة إنتاج المماطلة الإسرائيلية.
الأبعاد الإنسانية والسياسية: وقف الإبادة أولوية
تُدرك حماس، وفق مراقبين، أن الأولوية في هذه المرحلة تتمثل في وقف الإبادة الجماعية ووقف سياسة التجويع التي يعانيها أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع. لذلك جاء تجاوبها مع المقترح رغم إدراكها أن البنود لا تلبّي جميع شروطها.
المحلل السياسي إبراهيم المدهون يرى أن موافقة الحركة تأتي من منطلق براغماتي، إذ تسعى إلى التقاط أنفاس إنسانية للشعب الفلسطيني، وخلق أرضية سياسية لبحث صفقة تبادل شاملة لاحقًا، بشرط أن يتضمن المقترح التزامًا جادًا بوقف الحرب وانسحاب الاحتلال من عمق غزة.
في المقابل، يبقى الموقف الإسرائيلي ضبابيًا. فالتسريبات القادمة من تل أبيب لا توحي بوجود نية حقيقية لإنهاء الحرب، بل تشير إلى تعنت ورغبة في كسب الوقت، وسط تهديدات متكررة باجتياح مدينة غزة. وهذا ما يجعل أي تقدم مشروطًا بضغط أكبر من الوسطاء، وربما من واشنطن، على حكومة نتنياهو.
معضلة الاحتلال: مراوغة وغياب الجدية
الخشية الكبرى لدى الوسطاء تكمن في أن إسرائيل ستتعامل مع الهدنة كسقف مؤقت يسمح لها بإعادة ترتيب أوراقها الميدانية، وليس كنقطة انطلاق نحو إنهاء الحرب.
فحتى مع المقترحات السابقة، أثبتت التجربة أن الاحتلال ينقض الاتفاقات، سواء بعدم الالتزام بإدخال المساعدات أو بخرق وقف النار. ولذلك، فإن ثقة حماس بالمقترح الجديد مرتبطة بالضمانات الفعلية، خصوصًا أن التجارب مع نتنياهو وحكومته اتسمت بالمراوغة.
الموقف الإسرائيلي قد يتأثر بالضغط الداخلي، لا سيما أن عائلات الأسرى الإسرائيليين تمارس ضغوطًا كبيرة على الحكومة للتوصل إلى صفقة، معتبرة أن استمرار الحرب يهدد حياة أبنائهم أكثر مما يحميهم. ومع ذلك، لا تزال الحسابات السياسية والانتخابية في إسرائيل هي المسيطرة، حيث يخشى نتنياهو من أن يُنظر إليه على أنه قدم تنازلات لـ”حماس” قد تضعف صورته أمام اليمين المتطرف.
المرونة الفلسطينية والتعنت الإسرائيلي
المعادلة تبدو واضحة: مرونة فلسطينية مقابل تعنت إسرائيلي. حماس أبدت استعدادها لقبول مقترح لا يحقق كامل شروطها، لكنها رأت فيه مدخلًا لوقف نزيف الدم، بينما الاحتلال يراوغ ويعتمد على سياسة كسب الوقت أملاً في فرض وقائع جديدة على الأرض.
هذه المعادلة، إذا استمرت، قد تفجر الجولة التفاوضية المقبلة، إلا إذا تمكن الوسطاء من إقناع واشنطن بالضغط على تل أبيب لقبول الحد الأدنى من شروط التهدئة.
خلاصة: لحظة اختبار حقيقية
المقترح الجديد يمثل لحظة اختبار لكل الأطراف:
-
لحماس، التي أثبتت قدرتها على المناورة السياسية دون التفريط بالثوابت، مع إبراز البعد الإنساني لشعبها.
-
للاحتلال، الذي يواجه ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، ويجد نفسه أمام خيارين: إما الاستمرار في حرب استنزاف مكلفة، أو الدخول في تسوية تحفظ ماء وجهه.
-
للمجتمع الدولي، الذي يقف أمام مسؤولية وقف الإبادة ومنع اجتياح غزة الذي يهدد بمجازر أكبر.
في النهاية، لا يزال مستقبل المقترح معلقًا على إرادة إسرائيل السياسية: هل ستتجاوب مع مرونة المقاومة، أم تواصل التعنت والمماطلة؟ الأكيد أن الشعب الفلسطيني دفع – وما زال يدفع – الثمن الأكبر، وأن أي تأخير في إنجاز اتفاق يعزز من معاناته ويطيل أمد حرب الإبادة.
اقرأ أيضًا : القسام توثّق استهداف آليات وجنود الاحتلال جنوب قطاع غزة