بقلم: المنصور الميرغني
بعد شهور من المواجهات الدامية، أعلن الجيش السوداني فرض سيطرته الكاملة على العاصمة الخرطوم، مستعيدًا المقرات الحكومية والمواقع السيادية، وموجّهًا بذلك ضربة قاصمة لـ”قوات الدعم السريع” التي كانت تقود تمردًا مسلحًا بدعم خارجي، وفي مقدّمة هذا الدعم الإمارات العربية المتحدة.
لكن هذه الهزيمة ليست فقط عسكرية، بل هزيمة جيوسياسية مدوّية لمشروع إقليمي استثمرت فيه أبوظبي الكثير من المال والنفوذ في سبيل إعادة صياغة السودان على مقاسها.
أبوظبي والدعم السريع.. رهان على الوكلاء
منذ سنوات، تبنّت الإمارات سياسة واضحة في السودان تقوم على تمكين رجالها داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وكان أبرزهم محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد الدعم السريع.
تدفّقت الأموال والأسلحة، وتمّ بناء شبكة نفوذ معقدة داخل المنظومة السودانية، حيث تمتّع الدعم السريع بدعم استخباراتي ولوجستي مباشر من أبوظبي، حتى بات يُنظر إليه كذراع ميدانية للمشروع الإماراتي في السودان.
الهدف لم يكن فقط دعم حليف داخلي، بل التحكم بمفاصل الاقتصاد السوداني، وأهمها مناجم الذهب، ومسارات التجارة، والموانئ على البحر الأحمر.
مشروع فاشل.. رغم المال والسلاح
لكن كما في اليمن وليبيا، أثبتت تجربة الإمارات في السودان أن المال لا يصنع الاستقرار، ولا يحسم المعارك.
فعلى الرغم من الترسانة الضخمة التي وُضعت بيد الدعم السريع، وتدفّق الإمدادات عبر الحدود الليبية والتشادية، إلا أن القوة الحقيقية على الأرض ظلت في يد الجيش السوداني، الذي استعاد زخمه العسكري، وتمكّن من تقليب المعادلة بعد عام من الاشتباكات.
تمّ تطهير معظم أنحاء الخرطوم، وانسحب الدعم السريع إلى أطراف متفرقة، بعد أن فقد الغطاء الشعبي والسياسي، وانكشف الغطاء الخارجي.
الهزيمة الرمزية.. تراجع الدور الإماراتي في أفريقيا
فشل مشروع أبوظبي في السودان لا يعني فقط خسارة ورقة عسكرية، بل نكسة في نفوذها المتوسع في القارة الأفريقية.
لسنوات، حاولت الإمارات أن تفرض حضورًا إقليميًا عبر دعم ميليشيات مسلّحة، وإبرام صفقات تجارية وأمنية مع أنظمة انتقالية هشة، لكنها اليوم تواجه واقعًا جديدًا: فقدان الثقة، وارتفاع كلفة التدخلات، وتحوّلها إلى قوة مزعزعة بدلًا من شريك للاستقرار.
السودان، الذي كانت الإمارات تطمح للسيطرة عليه اقتصاديًا وأمنيًا، يُظهر اليوم نفورًا متصاعدًا من هذا المشروع، في ظل تصاعد الأصوات التي تتهم أبوظبي بشكل مباشر بالمشاركة في إذكاء الحرب والانقسام وتمويل التدمير.
ما بعد الهزيمة: هل تنسحب أبوظبي؟
الخيارات أمام الإمارات باتت محدودة:
إما مواصلة الاستثمار في مشروع مهزوم باهظ التكلفة، مما قد يعرّضها لمزيد من الفشل الإقليمي، أو إعادة تقييم سياساتها الخارجية في السودان والمنطقة، بعيدًا عن منطق “الوكالة” والسيطرة.
لكن إن كان من درس واضح، فهو أن الشعوب لا تُشترى، وأن الدول لا تُدار كالشركات.
وأن السودان، رغم كل الجراح، لا يزال عصيًّا على التحويل إلى حديقة خلفية لأي دولة أجنبية، مهما امتلكت من المال والنفوذ.
السودان ينتصر… والإمارات تُراجع حساباتها
بانتصار الجيش السوداني في الخرطوم، يكون السودان قد أفشل أحد أخطر المشاريع الإقليمية التي كانت تستهدف تمزيق نسيجه الوطني وتحويله إلى نموذج آخر من نماذج “الدولة المتناحرة تحت الوصاية”.
إنها ليست فقط هزيمة للدعم السريع، بل صفعة قوية للسياسة الإماراتية القائمة على الرهان على الميليشيات والسلاح والذهب، بدلًا من الرهان على الشعوب والاستقرار والتعاون الحقيقي.