منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، شكّلت معارك حي الزيتون محطة بارزة في مسار المواجهة، ليس فقط لرمزية المنطقة الجغرافية وأهميتها الاستراتيجية، بل أيضاً لأنها كشفت عن تطور ملحوظ في أساليب القتال لدى المقاومة الفلسطينية، وتحديداً حركة حماس، بما أربك حسابات الاحتلال وأجبره على الاعتراف – ولو ضمنياً – بقدرات جديدة لم يكن يتوقعها.
صحيفة “معاريف” العبرية نقلت عن مصادر عسكرية إسرائيلية قولها إن مقاتلي الحركة باتوا أكثر جرأة وتنظيماً، وهو اعتراف بليغ بأن المقاومة استطاعت أن تنتقل إلى مرحلة أكثر تقدماً في حرب المدن والشوارع.

من الدفاع إلى الهجوم المنظم
الملاحظ الأبرز في معارك الزيتون أن حماس لم تكتفِ بالدفاع أو نصب الكمائن التقليدية، بل عمدت إلى تطوير تكتيكات هجومية تعتمد على “المبادرة الميدانية”. فقد تحدثت المصادر العسكرية الإسرائيلية عن قيام مقاتلي الحركة بتلغيم المحاور بالعبوات الناسفة ونصب كمائن متقدمة، إلى جانب الاستخدام المكثّف للصواريخ المضادة للدروع من طراز “الياسين 105″ و”TBG”. هذه التكتيكات لا تعكس مجرد محاولة لإيقاع خسائر في صفوف الاحتلال، بل تؤشر إلى انتقال المقاومة إلى نمط “القتال الهجومي المرن”، حيث تُبادر إلى تحديد ميدان المعركة وشروطها، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل.
هذا التحول لا ينفصل عن خبرة تراكمت عبر سنوات طويلة من المواجهات، بدءاً من حرب 2008 وصولاً إلى معركة “طوفان الأقصى” وما تلاها، حيث أدركت المقاومة أن مواجهة جيش تقليدي متفوق تسليحياً تتطلب إبداعاً ميدانياً يقوم على عنصر المفاجأة وتعدد الوسائل. لذا، فإن ما جرى في الزيتون يمكن اعتباره نموذجاً “مُكثّفاً” لاستراتيجية حماس في تحويل نقاط ضعفها إلى مصادر قوة.
براعة القسام في توظيف السلاح المحلي
من أبرز سمات معارك الزيتون استخدام كتائب القسام لصواريخ “الياسين 105” محلية الصنع ضد دبابات “الميركافا” وجرافات “D9”. ورغم الفارق الهائل في القدرات التكنولوجية بين الطرفين، فإن نجاح المقاومة في إصابة أهداف نوعية يشير إلى براعة في “الهندسة العسكرية الشعبية”، حيث يتحول السلاح المحلي البسيط إلى أداة فعّالة تعطل آليات تعتبر مفخرة للصناعات العسكرية الإسرائيلية.
والأهم أن هذا الاستخدام المتكرر والمتنوع للسلاح محلي الصنع يعكس ثقة متزايدة لدى المقاومة في جدوى تطويرها الذاتي، وهو ما يجعل الاحتلال في مأزق مزدوج: من جهة يعجز عن وقف تدفق السلاح رغم حصاره المشدد، ومن جهة أخرى يواجه أسلحة تتطور باستمرار داخل بيئة مغلقة يصعب اختراقها. هنا يظهر ذكاء المقاومة في “تحويل العزلة” التي فُرضت على غزة إلى بيئة إنتاج عسكري داخلي، يمدّ المعركة بوسائل غير متوقعة.
كمائن مركبة واستنزاف ممنهج
معارك الزيتون شهدت أيضاً اعتماد المقاومة على تكتيك “الكمين المركب”، كما حدث في أرض البرعصي جنوب الحي، حيث استهدفت قوة إسرائيلية تحصنت داخل أحد المنازل بقذيفة “TBG” تلتها رماية رشاشة دقيقة على قناص تمركز في منزل مجاور. هذا النمط يعكس وعياً عسكرياً متقدماً يقوم على الجمع بين أسلحة مختلفة وتنسيق محكم في توقيت التنفيذ، بما يحوّل الكمين من عملية مفاجئة محدودة إلى “معركة استنزاف صغيرة” تجبر الاحتلال على إعادة حساباته.
ويبدو أن حماس تستثمر في هذا التكتيك لسببين: أولاً، لتكبيد الاحتلال خسائر بشرية ومعنوية دون الدخول في مواجهة مفتوحة تُتيح له تفوقه الجوي والناري؛ وثانياً، لإيصال رسالة بأن “الجيش الذي يقتحم غزة لن يجد فيها نزهة”، بل سيواجه حرب شوارع متعددة الجبهات والطبقات.
الجيش الإسرائيلي.. مأزق الاعتراف بالفشل
رغم محاولة مصادر الاحتلال التقليل من شأن هذه التطورات بالقول إن “الإجراءات الصحيحة حالت دون وقوع إصابات”، إلا أن مجرد الاعتراف بوجود تحول في أساليب حماس يعكس قلقاً ميدانياً حقيقياً. فالجيش الذي تفاخر سابقاً بأنه قضى على بنية المقاومة في شمال القطاع، يجد نفسه مضطراً للإقرار بأن حماس أعادت تنظيم صفوفها بسرعة لافتة، بل وباتت أكثر جرأة مما كانت عليه.
الأمر الأكثر خطورة بالنسبة للاحتلال أن هذه التطورات تأتي في وقت يُفترض أن الجيش يسيطر فيه على مساحات واسعة من غزة. ومع ذلك، فإن بروز تكتيكات متطورة في الزيتون يُظهر أن السيطرة الإسرائيلية ليست سوى وهم على الخرائط، بينما على الأرض يظل الميدان في قبضة المقاتلين الذين يعرفون تضاريسه وطرقه السفلية والعلوية أفضل من أي قوة غازية.
دروس استراتيجية من معارك الزيتون
يمكن القول إن معارك الزيتون قدمت ثلاثة دروس استراتيجية مهمة:
- مرونة المقاومة: القدرة على الانتقال من الدفاع السلبي إلى الهجوم النشط عبر أدوات بسيطة ولكن فعّالة.
- استثمار السلاح المحلي: تحويل الصناعات المحلية إلى عامل كسر للتفوق العسكري الإسرائيلي.
- تكتيكات الكمائن المركبة: إظهار وعي متقدم بالمعركة متعددة الأدوات والأبعاد، بما يجعل الاحتلال في حالة استنزاف دائم.
هذه الدروس لا تُفيد حماس وحدها، بل باتت جزءاً من “مدرسة قتال” قد تستلهمها حركات مقاومة أخرى في العالم، حيث تواجه جيوشاً نظامية تفوقها عدة وعتاداً.
خاتمة: من الزيتون إلى معادلات أوسع
في المحصلة، تكشف معارك حي الزيتون أن المقاومة الفلسطينية، وتحديداً حماس، لم تعد مجرد حركة ترد على العدوان، بل تحولت إلى “جيش مقاومة” يطور تكتيكاته باستمرار، ويفرض معادلات جديدة في كل جولة. هذا التحول النوعي لا يعني فقط أن الاحتلال سيواجه صعوبات متزايدة في التوغل داخل غزة، بل يشي أيضاً بأن أي مشروع إسرائيلي للسيطرة الكاملة على القطاع سيظل وهماً بعيد المنال.
فالمقاومة اليوم تقاتل بوعي استراتيجي يُدرك أن المعركة ليست مجرد دفاع عن حي أو شارع، بل هي “حرب استنزاف طويلة” تهدف إلى كسر إرادة الاحتلال وإثبات أن إرادة الشعوب، مهما كانت محاصرة، قادرة على قلب الموازين. ومع كل مواجهة، كما في الزيتون، يترسخ هذا الدرس أكثر: أن قوة الفكرة والإصرار قد تتفوق على أحدث الدبابات والطائرات.
اقرأ أيضًا : ماذا تعرف عن مشروع “إي 1” الاستيطاني: خطة إسرائيلية لتقطيع أوصال الضفة