في تطور عسكري لافت يكشف عن تحوّل في خريطة الصراع السوداني، أكد الخبير العسكري والإستراتيجي العميد إلياس حنا أن انسحاب الجيش السوداني من منطقة هجليج الغنية بالنفط لا يعني الهزيمة بقدر ما يعكس استعدادًا لشنّ هجوم مضاد في مرحلة لاحقة، ضمن إعادة تموضع أشمل قد تغيّر مسار المعارك خلال الأسابيع المقبلة. ويأتي هذا التحليل في ظل تصاعد نفوذ ميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا، وتنامي دور المرتزقة الكولومبيين الذين باتوا يشكّلون جزءًا من القتال على الأرض.
مراكز الثقل تتغير: من الفاشر وبابنوسة إلى النيل الأبيض
يوضح العميد حنا أن الحرب في السودان لم تعد تدور حول المدن التقليدية أو خطوط التماس القديمة، بل انتقلت إلى “المراكز الإقليمية الخاصة”، خصوصًا بعد سقوط كلٍّ من الفاشر في شمال دارفور وبابنوسة في غرب كردفان بيد ميليشيا الدعم السريع. ويشير إلى أن هذه السيطرة مكّنت الميليشيا من كسب زخم ميداني يمكّنها من التوجه نحو الهدف الأكبر: ولاية النيل الأبيض.
وفق رؤية الخبير العسكري، فإن السيطرة على النيل الأبيض ستكون بمثابة ضربة استراتيجية لأنها تفصل شرق السودان عن غربه، ما يضع الجيش أمام تحدٍّ جغرافي وعسكري بالغ الخطورة. لذا، فإن تحركات الجيش الأخيرة — رغم طابعها الانسحابي — تحمل في طياتها مناورة عسكرية تهدف لإعادة التموضع استعدادًا لمعركة دفاعية وهجومية في آن واحد.
الانسحاب من هجليج: تكتيك أم تراجع؟
الجيش السوداني أعلن أنه انسحب من حقل هجليج النفطي بهدف حماية المنشآت النفطية من التدمير، ونقل قواته ومعداته إلى داخل دولة جنوب السودان. ورغم أن هذا القرار بدا للبعض تراجعًا، فإن العميد حنا يؤكد أن الانسحاب “تكتيكي” وليس انسحابًا اضطراريًا، وهو خطوة متعارف عليها في العلوم العسكرية لإعادة تنظيم الصفوف وبناء جبهة هجومية جديدة.
ويضيف حنا أن هجليج ليست مجرد منطقة نفطية، بل نقطة مفصلية لكونها تفتح الطريق نحو كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان، ما يعني أن سيطرة الميليشيا عليها تمنحها ثروة نفطية ومعدنية ومساحات جغرافية واسعة تمكّنها من الضغط على الجيش وتوسيع رقعة نفوذها.
تكتيكات قتال غير متكافئة: جيش نظامي في مواجهة ميليشيا مدعومة خارجيًا
يرى حنا أن الجيش السوداني لا يزال يقاتل وفق العقيدة التقليدية للجيوش النظامية: وحدات ثقيلة، خطوط مواجهة واضحة، وتحركات محسوبة. في المقابل تعتمد ميليشيا الدعم السريع على أساليب العصابات: سرعة الحركة، الضربات الخاطفة، استخدام الدراجات والسيارات الخفيفة، والاعتماد على مقاتلين ذوي خبرة عالية في حرب المدن.
هذا التفاوت في الأساليب، يقول حنا، يفسر قدرة الميليشيا — رغم أنها قوة غير نظامية — على تسجيل اختراقات واسعة. وهنا يشير الخبير إلى أن جزءًا من هذا التفوق يعود إلى الدعم الإماراتي الواسع، الذي يشمل التمويل والتسليح والخدمات اللوجستية، إضافة إلى تجنيد مرتزقة عبر شبكات خاصة تعمل من خارج السودان.
مرتزقة كولومبيون.. امتداد لدور الإمارات في الحرب
يكشف العميد حنا أن المرتزقة الكولومبيين الذين ظهروا في مشاهد القتال مؤخراً ليسوا وافدين جدداً، بل سبق أن لعبوا دورًا حاسمًا في سقوط الفاشر. يمتلك هؤلاء خبرات طويلة في حرب العصابات بفضل نزاعات كولومبيا الداخلية، مما يجعلهم إضافة نوعية لميليشيا الدعم السريع.
وفي خطوة لافتة، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شبكة دولية قالت إنها مسؤولة عن تجنيد هؤلاء المقاتلين ونقلهم وتدريبهم، بينهم أطفال. ورغم أن العقوبات طالت أربعة أفراد وأربعة كيانات، فإن اللافت — كما يشير مراقبون — أن واشنطن تجنبت استهداف الشركة الإماراتية المتهمة بالإشراف على عملية التجنيد، ما يعكس استمرار تغطية واشنطن للدور الإماراتي في تغذية الحرب.
ويحذر حنا من أن إدخال مرتزقة محترفين إلى ساحة صراع هشّة مثل السودان يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل الحرب أكثر دمويّة واستنزافًا، ويقلل فرص الوصول إلى تسوية سياسية.
إعادة التموضع نحو النيل الأبيض: ماذا يعني؟
المصادر العسكرية السودانية أفادت بأن القوات المنسحبة من بابنوسة وهجليج سيتم نقلها إلى ولاية النيل الأبيض. هذا التحرك يحمل دلالات عدة:
-
تحصين جبهة جديدة تمثل خط الدفاع الأول عن شرق السودان.
-
الاستعداد لمعركة استعادة المناطق التي سقطت بيد الميليشيا.
-
قطع الطريق على الدعم السريع ومنعه من تنفيذ خطة فصل البلاد إلى قسمين غربي وشرقي.
وبحسب رؤية حنا، فإن الجيش — رغم الضغوط — لا يزال يمتلك القدرة على الهجوم المضاد إذا نجح في تجميع قواته وإعادة توزيعها بشكل فعّال.
خلاصة: السودان أمام مرحلة عسكرية جديدة
ما يجري في السودان اليوم يتجاوز مجرد معارك متفرقة؛ إنه صراع على هوية الدولة وثرواتها ومستقبلها. انسحاب الجيش من هجليج ليس نهاية المعركة، بل بداية مرحلة إعادة الانتشار استعدادًا لهجوم مضاد قد يرسم مسار الحرب القادم.
وفي ظل استمرار الدعم الإماراتي لميليشيا الدعم السريع، وتدفّق المرتزقة الأجانب، وتباطؤ الموقف الدولي، يبدو أن الحرب السودانية تتجه نحو مزيد من العسكرة وابتعاد أكبر عن الحلول السياسية — ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد مصير البلاد.
اقرأ أيضًا : عقوبات أمريكية على شبكة كولومبية لتجنيد المرتزقة للسودان.. وغطاء سياسي لحماية الدور الإماراتي خلف الكواليس