بقلم / أحمد محمد أحمد

في ظلّ تسارع خطط الاحتلال الإسرائيلي لشنّ عملية عسكرية واسعة النطاق على مدينة غزة، يتصاعد الغموض بشأن الموقف النهائي من قبول أو رفض الوساطات القائمة، خصوصا تلك التي تقودها مصر وقطر. 

تقرير صحيفة معاريف العبرية ألقى الضوء على خطة الجيش الإسرائيلي المسماة بـ”عربات جدعون 2″، التي تهدف إلى تطويق غزة، إفراغها من سكانها، ثم الشروع في قصف جوي ومدفعي قبل الانتقال إلى مناورة برية واسعة.

لكن، ورغم هذا التحشيد العسكري، يبقى التساؤل الأبرز: هل يملك الاحتلال نية حقيقية في الذهاب نحو اجتياح شامل، أم أنّ هذه الخطط جزء من لعبة المراوغة السياسية والدبلوماسية؟

خطط عسكرية ضخمة.. واستعدادات طويلة الأمد

بحسب التقرير، أعدّ الجيش الإسرائيلي خطة عسكرية تتضمن استدعاء أكثر من 60 ألف جندي احتياط على الفور، مع تمديد خدمة 70 ألفًا آخرين بين 30 و40 يومًا. هذا يعني أن عدد قوات الاحتياط الجاهزة سيتجاوز 130 ألف جندي، في وقت سيتولى فيه الجنود النظاميون الجزء الأكبر من المناورة القتالية.

اللافت أن الجيش أعلن أنّ العملية قد بدأت بالفعل عبر عمليات التطويق التي نفذتها الفرقة 162 شمال غرب غزة، وتحديدًا في محيط جباليا. كما أوضح أن العملية طويلة الأمد، وستُنفذ عبر جولات متتالية من تجنيد الاحتياط تمتد حتى مطلع العام القادم. هذه التفاصيل تكشف أن الاحتلال يضع خطته على أساس حرب استنزاف طويلة، وليس مجرد عملية محدودة الأهداف.

لكن في الوقت ذاته، ترك الجيش لنفسه هامش التراجع، معلنًا استعداده للتوقف “في أي وقت” إذا صدرت أوامر سياسية بوقف القتال. هذه العبارة بحد ذاتها توضح أن المؤسسة العسكرية لا تتحرك بمعزل عن الحسابات الدبلوماسية، وأن الغموض الذي يلفّ الموقف الإسرائيلي جزء من إستراتيجية التلاعب بالرسائل.

وساطة مصر وقطر.. جهد مضاعف يواجه عراقيل

في المقابل، تسعى القاهرة بالتعاون مع الدوحة لإقناع الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل من أجل تبني مسودة اتفاق جديد لوقف إطلاق النار وصفقة تبادل الأسرى. مصادر دبلوماسية مصرية حذّرت من أن غياب ضغط أمريكي فعلي سيؤدي إلى فشل أي اتفاق، معتبرة أن إسرائيل قد تعيد وضع عراقيلها المعتادة لإطالة أمد المفاوضات أو إفشالها بالكامل.

وتؤكد هذه المصادر أن الجهود الحالية تتركز على تفكيك التعقيدات: من صعوبة وصول حماس إلى كل الأسرى، إلى تعقيدات لوجستية في ظل استمرار القصف، مرورًا بالانقسام داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها حول جدوى الصفقة. لكن على الرغم من ذلك، فإن القاهرة والدوحة تحاولان إبقاء نافذة الحوار مفتوحة، في محاولة لقطع الطريق أمام اجتياح قد يؤدي إلى كارثة إنسانية أكبر.

مراوغة إسرائيلية.. أم إستراتيجية محسوبة؟

من جانب آخر، يشير مسؤولو حماس، وعلى رأسهم طاهر النونو، إلى أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين متناقضة يوميًا: تارةً يتحدثون عن صفقة شاملة، وأخرى عن صفقة جزئية، دون موقف واضح. هذا التضارب لا يعكس فقط الانقسام داخل الحكومة الإسرائيلية، بل يكشف عن مراوغة مقصودة لإرباك الوسطاء ودفع المقاومة الفلسطينية إلى حالة من الانتظار الطويل.

النونو أكد أن حماس تلقت بالفعل مقترحًا مصريًا قطريًا ووافقت عليه، لكنه أشار إلى أن إسرائيل لم تُصدر أي رد رسمي حتى الآن. هنا تتضح لعبة كسب الوقت التي يجيدها الاحتلال: إطلاق التهديدات بالاجتياح، مع ترك الباب مفتوحًا أمام المفاوضات، دون أن يلتزم بخط واضح.

قراءة في المشهد: بين التصعيد والتهدئة

المشهد الحالي يعكس معادلة معقدة. الاحتلال يلوّح بخطة “عربات جدعون 2″، مستعرضًا قوته وحشوده العسكرية، لكنه في الوقت ذاته يلمّح إلى إمكانية التراجع إذا توصلت القيادة السياسية لقرار مختلف. هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا: هل الهدف الفعلي هو اجتياح غزة، أم الضغط السياسي لفرض شروط أقسى في المفاوضات؟

بالنظر إلى التجارب السابقة، نجد أن إسرائيل استخدمت دائمًا سلاح التهديد بالاجتياح الشامل لإرباك خصومها ودفع الوسطاء إلى تكثيف جهودهم. لكن، في ظلّ غياب ضغط أمريكي حقيقي، قد تفشل الوساطة المصرية القطرية، مما يترك غزة أمام خيارين أحلاهما مرّ: اجتياح دموي طويل الأمد، أو استمرار المراوحة المرهقة التي تستنزف المدنيين أولًا وأخيرًا.

الخلاصة: هل تنجح الوساطة؟

من الواضح أن الاحتلال يراوغ، يضع خططًا عسكرية ضخمة ويعلن عنها للإعلام، وفي الوقت ذاته يرسل رسائل متناقضة حول وقف إطلاق النار والصفقة المحتملة. هذه المراوغة ليست جديدة، لكنها اليوم تحمل خطورة أكبر، لأن أي اجتياح شامل لمدينة غزة في ظل الحصار والنزوح والدمار قد يؤدي إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.

الجواب النهائي يتوقف على مدى استعداد واشنطن للضغط على حليفها الإسرائيلي. فإذا بقيت الولايات المتحدة في موقع المتفرج، فإن فرص نجاح الوساطة المصرية القطرية ستتراجع بشدة. أما إذا قررت الإدارة الأمريكية التدخل بجدية، فقد يتحول التهديد بالاجتياح إلى ورقة ضغط تُستخدم للتوصل إلى اتفاق بدلًا من حرب مدمرة.

لكن حتى اللحظة، يبدو أن إسرائيل تجد في المراوغة سلاحًا أنجع من الاجتياح ذاته، تاركةً الجميع في حالة ترقب: هل سينفجر المشهد عسكريًا، أم تنجح الوساطة أخيرًا في كبح جماح التصعيد؟

اقرأ أيضا : تسريبات “الملك”.. انحراف سلوكي يفضح أزمة الشرطة المصرية