وجه رئيس كولومبيا، غوستافو بيترو، تحذيرًا شديد اللهجة للرئيس الأميركي دونالد ترامب قائلًا “أنت تغامر بـ“إيقاظ النمر” ” بعد أن لوّح ترامب بإمكانية تنفيذ ضربات عسكرية داخل أراضي دول أجنبية يعتقد أنها تنتج مخدرات غير مشروعة تشق طريقها إلى الولايات المتحدة. جاء هذا التحذير بعدما صرّح ترامب، خلال اجتماع حكومي يوم الثلاثاء، بأن الضربات على مواقع داخل فنزويلا “ستبدأ قريبًا جدًا”، مؤكدًا أن أي دولة يمسّ نشاطها مجال المخدرات قد تكون هدفًا محتملاً، مشيرًا بشكل خاص إلى كولومبيا، رغم كونها حليفًا تاريخيًا لواشنطن في “الحرب على المخدرات”.
وبعد ساعات قليلة، ردّ بيترو عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي معتبراً أن “تهديد سيادتنا هو إعلان حرب؛ لا تعبثوا بإرث دبلوماسي يمتد لمئتي عام”. كما دعا الرئيسَ الأميركي لزيارة بلاده، أكبر منتج للكوكايين في العالم، ليشهد بنفسه الجهود الحكومية في تدمير مختبرات إنتاج المخدرات، قائلاً: “تعال معي وسأريك كيف ندمّر مختبرًا كل 40 دقيقة”.
منذ أغسطس، رفعت إدارة ترامب مستوى التوتر في أمريكا اللاتينية إلى درجات لم تُشهد منذ غزو بنما عام 1989، وذلك تحت ذريعة تنفيذ عمليات واسعة لمكافحة المخدرات. فقد نشر البنتاغون قوة بحرية ضخمة تضم نحو 15 ألف جندي بالقرب من فنزويلا في البحر الكاريبي، وقتلت هذه العمليات أكثر من 80 شخصًا في غارات جوية استهدفت قوارب صغيرة اتُّهمت بحمل المخدرات. ترامب نفسه قال صراحة: “سنبدأ بتنفيذ ضربات برية أيضًا. الأرض أسهل بكثير… نعرف الطرق، نعرف كل شيء عنهم، نعرف أين يعيشون، نعرف أين يعيش الأشرار، وسنبدأ ذلك قريبًا جدًا”.
وعندما سُئل عمّا إذا كانت العمليات ستقتصر على فنزويلا، أجاب ترامب بالنفي، قبل أن يطلق اتهامًا مباشرًا لكولومبيا: “أسمع أن كولومبيا لديها مصانع لإنتاج الكوكايين. ثم يبيعون لنا الكوكايين… أي دولة تقوم بذلك وتبيعه داخل بلدنا ستكون عرضة للهجوم”.
ورغم الشراكة الطويلة بين البلدين في مكافحة المخدرات، شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وكولومبيا تصدّعًا منذ الأيام الأولى لولاية ترامب الثانية. بدأت أول مواجهة في يناير حين رفض بيترو — وهو أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا ومقاتل سابق في حركة تمرد — السماح لطائرات أميركية تحمل كولومبيين مُرحَّلين بالهبوط، متذرعًا بضرورة معاملتهم بكرامة. ورغم تراجعه لاحقًا عن هذا القرار، فإن العلاقات تدهورت مجددًا في سبتمبر حين انضم بيترو إلى احتجاج مؤيد لفلسطين في نيويورك ودعا الجنود الأميركيين إلى عصيان أوامر ترامب بـ“مهاجمة الإنسانية”، في إشارة إلى الضربات العسكرية التي كانت تنفذها الإدارة الأميركية. كما كان من أشد المنتقدين للعمليات الجوية التي تستهدف القوارب المشتبه بحملها للكوكايين في البحر الكاريبي.
ورداً على ذلك، ألغت وزارة الخارجية الأميركية تأشيرة الدخول الخاصة بالرئيس الكولومبي، فيما صعّد ترامب هجومه، متهمًا بيترو — دون تقديم أي دليل — بأنه “تاجر مخدرات غير شرعي” وأنه يحوّل إنتاج المخدرات إلى “القطاع الاقتصادي الرئيسي في كولومبيا”.
وجاء تهديد ترامب لكولومبيا بعد ساعات فقط من إطلاق سراح رئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز من السجن، بعدما أصدر ترامب عفوًا عنه رغم إدانته بتهريب المخدرات والفساد والحكم عليه بالسجن 45 عامًا بتهمة إنشاء “طريق سريع للكوكايين” نحو الولايات المتحدة. كان هيرنانديز، أثناء وجوده في السلطة، قد جعل من هندوراس نقطة عبور مركزية للكوكايين القادم من أمريكا الجنوبية، فضلًا عن تحوّل البلاد إلى مركز إنتاج للمخدرات. لكن ترامب وصف التحقيق الذي طال هيرنانديز — والذي بدأ في عهد إدارة سابقة — بأنه “حملة اضطهاد رهيبة نفذها بايدن”، قبل أن يضيف: “إذا كان هناك تجار مخدرات في بلدك، فهذا لا يجعل من الرئيس مجرمًا يستحق السجن لـ45 عامًا”.
بهذا التصعيد، بدا أن سياسة ترامب تجاه أمريكا اللاتينية لا تُعيد رسم علاقة واشنطن بالقارة فحسب، بل تفتح الباب أمام مرحلة تُستخدم فيها القوة العسكرية كأداة مباشرة لفرض الرؤية الأميركية على دول لطالما اعتُبرت شريكًا أو حليفًا. أما كولومبيا، التي تقف الآن في مواجهة تهديدات مباشرة من رئيس حليفها الأكبر، فهي تجد نفسها في لحظة اختبار غير مسبوقة، تتبدل فيها معادلات النفوذ، ويُعاد فيها تعريف ما يعنيه أن تكون “حليفًا” للولايات المتحدة في زمن ترامب.
التوقيت والسياق السياسي لهذه التهديدات يفتحان الباب واسعًا أمام سؤال آخر: هل يتعلق الأمر فعلًا بالكوكايين، أم أن كولومبيا تدفع ثمن موقفها العلني من حرب غزة؟ فمنذ تولّي بيترو الرئاسة، لم تُخفِ واشنطن انزعاجها من خطابه المناهض للعدوان الإسرائيلي، ولا من مشاركته في احتجاجات مؤيدة لفلسطين داخل الولايات المتحدة نفسها، ولا من دعوته الجنود الأميركيين إلى عدم تنفيذ أوامر يرى أنها “تعتدي على الإنسانية”. هذا التباين في المواقف جعل العلاقات بين البلدين تتصدع بصورة لم تعرفها منذ عقود، وجاء تهديد ترامب الأخير ليعمّق الانطباع بأن اتهامات “المخدرات” ليست سوى غطاء يُستخدم لمعاقبة حكومة اختارت الاصطفاف خارج الخط الأميركي التقليدي. وفي ظل هذا المشهد، تبدو الأزمة الحالية أكبر من مجرد خلاف أمني؛ إنها مواجهة سياسية تتداخل فيها خطوط الجغرافيا والمبادئ والتحالفات الدولية، وتكشف كيف يمكن لموقف من غزة أن يتحوّل إلى عامل يغيّر معادلات القوة بين دولتين تربطهما علاقة تمتد لعقود.