بعد عامين من المجازر والقصف المتواصل، أعلنت كل من إسرائيل وحركة حماس الموافقة على المرحلة الأولى من اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، في خطوة يُروّج لها كـ”نقطة تحول تاريخية” قد تضع حدًا لأكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين. لكن خلف التصريحات الاحتفالية والابتسامات الدبلوماسية، يبقى السؤال: هل انتهت الحرب حقًا؟ أم أن ما جرى ليس سوى هدنة مؤقتة تخفي تحتها جراحًا لم تلتئم وجرائم لم تُحاسب بعد؟

الاتفاق الذي أُعلن عنه جاء برعاية أمريكية مباشرة بعد ثلاثة أيام من المفاوضات غير المباشرة في منتجع شرم الشيخ المصري، بمشاركة وفود من الولايات المتحدة وقطر وتركيا، التي أضافت زخمًا سياسيًا للمباحثات التي بدأت مطلع الأسبوع. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنفسه عن الاتفاق على منصته “Truth Social”، مؤكدًا أن جميع الرهائن الإسرائيليين سيُفرج عنهم “قريبًا جدًا”، وأن إسرائيل ستسحب قواتها تدريجيًا وفق جدول زمني محدد.

في المقابل، أعلنت حماس قبولها بالخطة الأمريكية، موضحة أن الاتفاق يتضمن انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من القطاع وتبادلًا للأسرى، قد يشمل إطلاق سراح نحو 1,700 أسير فلسطيني خلال 72 ساعة من توقيع الاتفاق. ومن المقرر أن يتم توقيع الاتفاق رسميًا عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا بتوقيت إسرائيل، بينما قد يبدأ تنفيذ المرحلة الأولى خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وفي تل أبيب، احتفل نتنياهو بالاتفاق واعتبره “نصرًا دبلوماسيًا وأخلاقيًا”، بينما امتلأت الساحات بالهتافات المطالبة بمنح ترامب جائزة نوبل للسلام. مشهد الاحتفالات في تل أبيب كان متناقضًا مع المشهد في غزة، حيث خرج الناس بين الدهشة والفرح الحذر بعد عامين من الإبادة المنظمة، إذ لم ينسَ أحد أن الهدنتين السابقتين انهارتا خلال أيام بسبب استمرار الغارات الإسرائيلية وغياب أي التزام حقيقي.

الأرقام التي خلفتها هذه الحرب وحدها كفيلة بإسقاط كل محاولات التجميل السياسية. أكثر من 67 ألف من المدنيين، سقطوا قتلى بفعل القصف الإسرائيلي، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال. أكثر من 170 ألف جريح، ومئات الآلاف من المفقودين تحت الركام. نحو 20 ألف طفل لم يرَ العالم حتى صورهم لأن بيوتهم دُمرت على رؤوسهم. لم يتبقَّ في غزة سوى خرائط من الغبار وأحياء أُعيدت إلى القرن الماضي.

ورغم هذا الدمار الهائل، يتحدث البيت الأبيض وإسرائيل عن “سلام دائم” بينما لا تزال الطائرات المسيّرة الإسرائيلية تنفذ ضربات متفرقة، في انتهاك واضح لما يُفترض أنه وقف شامل لإطلاق النار. خلال الساعات الأخيرة فقط، أبلغت وزارة الصحة في غزة عن ثمانية شهداء في قصف جديد، وهو أقل من المعتاد، لكنه يثبت أن النار لم تُطفأ بعد.

ترامب الذي يسعى لتقديم الاتفاق كإنجازه الأكبر منذ وصوله إلى البيت الأبيض، أعلن أن الولايات المتحدة ستشارك في إعادة إعمار غزة. لكنه لم يذكر أن بلاده كانت شريكًا أساسيًا في تدميرها، إذ سلّحت إسرائيل، ودعمت كل عملياتها العسكرية سياسيًا في مجلس الأمن، ووفرت الغطاء الدبلوماسي لاستمرار الحرب حتى اللحظة الأخيرة.

أما أوروبا، التي تبكي اليوم على صور الأنقاض، فقد شاركت في المأساة بصمتها وتواطؤها. بريطانيا وفرنسا وألمانيا أرسلت أسلحة وقطع غيار، وصوّتت ضد مشاريع وقف إطلاق النار في بدايات الحرب. والاتحاد الأوروبي، الذي يدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية، فرض قيودًا على المساعدات للفلسطينيين وفتح الأبواب أمام الاستثمارات في الشركات التي تمد الاحتلال بالذخيرة.

بحسب صحيفة “الغارديان” فإن الاتفاق يتألف من 21 بندًا وضعها ترامب في البيت الأبيض الأسبوع الماضي، لكن تنفيذها على الأرض يبدو معقدًا للغاية في ظل انعدام الثقة بين الطرفين. ومع أن المفاوضين نجحوا في تضييق الفجوة بشأن البنود الأولى، إلا أن ما يُعرف بـ “تفاصيل اليوم التالي” — من الأمن إلى الإدارة المدنية — ما زالت مفتوحة، مما يجعل الاتفاق هشًا وقابلًا للانفجار في أي لحظة.

الهدنة الجديدة، إن نُفذت، ستكون الأطول منذ بداية الحرب، إذ لم تدم الهدن السابقة أكثر من عشرة أيام أو ستة أسابيع على الأكثر. ومع ذلك، لا أحد في غزة يصدق أن إسرائيل — التي دمرت البنية التحتية بالكامل وشرّدت الملايين — يمكن أن تتحول فجأة إلى شريك في “السلام الدائم”.

الاتفاق الحالي، مهما جرى تجميله، لا يمكن فصله عن دماء الأطفال الذين ما زالوا تحت التراب. فإسرائيل التي تتحدث عن “سلام دائم” لم تُحاسب بعد على جرائمها، ولم تُجبر على رفع الحصار أو وقف سياسات التطهير الممنهجة. والغرب الذي يتحدث اليوم عن “إعادة الإعمار” لا يستطيع غسل يديه من مسؤولية الخراب الذي موّله وسكّت عليه عامين كاملين.

غزة ليست مشروعًا لإعادة البناء، بل شاهد حيّ على عجز العالم وخيانته لقيم العدالة. والعدالة لا تبدأ بالصلح ولا تنتهي باتفاقات سياسية، بل تبدأ بمحاسبة من دمّر ومن موّل ومن صمت. من إسرائيل التي حوّلت القطاع إلى رماد، إلى الحكومات الغربية التي زوّدتها بالسلاح والدعم. إن مسؤولية الإعمار لا تقع على الفلسطينيين وحدهم، بل على كل من شارك في حرب الإبادة ضدهم.

فهل انتهت الحرب حقًا؟ أم أن هدير الطائرات سيعود من جديد، كلما قررت إسرائيل أن الهدنة لم تعد تناسبها، وكلما وجد الغرب أن “السلام” لم يحقق مصالحه؟ ما لم يتغير ميزان العدالة، سيبقى السلام مجرد هدنة بين جولتين من الجريمة.