حمّل الباحث الأميركي مايكل روبين، في تحليل نشره «مرصد منتدى الشرق الأوسط» في 12 سبتمبر/أيلول 2026، ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مسؤولية ما اعتبره انهيارًا في السياسة السعودية تجاه اليمن، معتبرًا أن الخلاف المتصاعد بين الرياض وأبوظبي انعكس مباشرة على موازين القوى داخل البلاد، وساهم في إضعاف القوى المناهضة للحوثيين على الساحل الغربي.
ووصل روبين في تحليله إلى حد التساؤل عما إذا كانت التطورات الأخيرة قد أصبحت تهدد مستقبل محمد بن سلمان السياسي نفسه، خصوصًا بعد سيطرة الحوثيين على المخا واقترابهم أكثر من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن هذه الخلاصة تمثل قراءة سياسية للكاتب وليست حقيقة مثبتة، كما أن عددًا من الاتهامات الواردة في المقال يحتاج إلى تحقق مستقل.
اليمن.. اختبار متكرر للسياسة السعودية
استهل روبين مقاله باستعراض تاريخ التدخلات السعودية في اليمن، معتبرًا أن الملف اليمني تسبب مرارًا في إضعاف شخصيات بارزة داخل المؤسسة السعودية.
ويعود الكاتب إلى المواجهة السعودية مع الحوثيين عام 2009، ثم الحرب التي بدأت عام 2015، معتبرًا أن الأداء العسكري السعودي لم يحقق الأهداف التي وضعتها الرياض رغم الدعم الاستخباراتي واللوجستي الأميركي.
ويقارن روبين بين الدور السعودي والدور الإماراتي في جنوب اليمن، ويقول إن أبوظبي استطاعت بناء تشكيلات محلية أكثر فاعلية ومواجهة تنظيم القاعدة في بعض مناطق الجنوب، بينما واجهت الرياض صعوبة في حسم المواجهة مع الحوثيين.
من المواجهة إلى التسوية مع الحوثيين
ويرى الكاتب أن محمد بن سلمان انتهج لاحقًا سياسة مختلفة تجاه الحوثيين، بعدما تعرضت السعودية على مدى سنوات لمئات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآتها الحيوية.
ووفق تحليل روبين، فضلت الرياض خفض التصعيد والسعي إلى تفاهم غير معلن يسمح بتهدئة حدودها، مقابل تقليص عملياتها العسكرية داخل اليمن.
لكن الكاتب يعتبر أن هذه المقاربة لم تعالج أصل المشكلة، وإنما منحت الحوثيين وقتًا لإعادة ترتيب قواتهم وتعزيز قدراتهم العسكرية.
نقطة التحول: الصدام السعودي الإماراتي
ويضع روبين الخلاف بين السعودية والإمارات في قلب تفسيره للتطورات الأخيرة.
فالكاتب يرى أن جنوب اليمن كان حتى نهاية 2025 أكثر استقرارًا نسبيًا تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي وحلفائه، بالتوازي مع وجود قوات طارق صالح في الساحل الغربي والمخا.
وبحسب تحليله، أدى تصاعد التوتر بين الرياض وأبوظبي إلى تغيير المعادلة، إذ اتجهت السعودية إلى دعم قوى يمنية منافسة للمجلس الانتقالي، بينما تراجع النفوذ الإماراتي المباشر.
ويقول روبين إن محمد بن سلمان «قدم خصومته الشخصية مع الإمارات على الاستقرار الاستراتيجي»، متهمًا الرياض بدعم حزب الإصلاح وإضعاف القوى التي كانت تشكل حاجزًا أمام تمدد الحوثيين.
وتبقى هذه القراءة منسوبة إلى الكاتب، إذ إن العلاقات السعودية الإماراتية شهدت بالفعل خلافات سياسية في ملفات إقليمية مختلفة، لكن الربط المباشر بينها وبين التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن يحتاج إلى أدلة مستقلة.
انهيار الجنوب وعزلة المخا
وفقًا للكاتب، أدت المواجهات التي شهدها جنوب اليمن إلى إضعاف شبكات التعاون بين عدن والمخا والساحل الغربي.
ويرى أن عزل قوات طارق صالح عن الدعم القادم من الجنوب جعل المخا أكثر هشاشة أمام أي هجوم حوثي واسع.
ومن هنا يربط روبين مباشرة بين إعادة تشكيل التحالفات داخل جنوب اليمن وبين سيطرة الحوثيين على المخا في 10 سبتمبر/أيلول.
ويصف سقوط المدينة بأنه «أهم انتصار حوثي منذ سنوات»، بالنظر إلى موقعها القريب من مضيق باب المندب.
لماذا تعد المخا أخطر من مجرد مدينة؟
تكمن أهمية المخا في أنها تقع مباشرة على الساحل الغربي لليمن، بالقرب من الممر البحري الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
ويرى روبين أن الحوثيين كانوا في السابق قادرين على استهداف الملاحة من مواقع داخلية ومرتفعات ساحل تهامة، لكن وصولهم المباشر إلى الساحل يمنحهم خيارات عسكرية أوسع.
ويشير إلى إمكانية استخدام الألغام البحرية والطائرات المسيّرة قصيرة المدى ووسائل الهجوم البحري غير المأهول ضد السفن العابرة.
ويذهب الكاتب إلى مقارنة الوضع الجديد بما يمتلكه الحرس الثوري الإيراني من قدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، معتبرًا أن الحوثيين أصبحوا أقرب إلى امتلاك ورقة مماثلة في باب المندب.
معادلة هرمز وباب المندب
هذا السيناريو يمثل مصدر القلق الأكبر للسعودية.
فإذا تعرض مضيق هرمز لضغوط إيرانية في الشرق، وفي الوقت نفسه أصبح الحوثيون قادرين على تهديد باب المندب في الغرب، فإن جزءًا كبيرًا من صادرات الطاقة الخليجية قد يصبح محاصرًا بين نقطتي ضغط بحريتين.
وبالنسبة إلى روبين، فإن هذا هو الثمن الاستراتيجي الأكبر للسياسة السعودية الأخيرة في اليمن.
السودان وأرض الصومال يدخلان الحسابات
لم يحصر الكاتب انتقاداته باليمن.
فقد اتهم محمد بن سلمان باتباع سياسة إقليمية يحكمها أحيانًا السعي إلى اتخاذ موقف معاكس للموقف الإماراتي، مشيرًا إلى ملفي السودان وأرض الصومال.
ويرى أن إضعاف العلاقات مع أرض الصومال يقلل خيارات الرياض وحلفائها على الضفة الأفريقية المقابلة لباب المندب.
كما ينتقد الدعم السعودي لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، ويقول إن هذا المسار لا يخدم بالضرورة أمن البحر الأحمر السعودي.
وتظل هذه النقاط تفسيرًا سياسيًا للكاتب وليست حقائق محسومة حول دوافع السياسة السعودية.
هل تهدد اليمن مكانة محمد بن سلمان؟
في الجزء الأكثر حدة من المقال، ينتقل روبين من نقد السياسة السعودية إلى الحديث عن مستقبل ولي العهد نفسه.
ويقول إن محمد بن سلمان ركّز قدرًا غير مسبوق من السلطة في يديه، ولذلك سيكون من الصعب عليه تحميل مسؤولية نتائج السياسة اليمنية لشخص آخر.
ويعتقد الكاتب أن سقوط المخا وتمدد الحوثيين باتجاه باب المندب قد يتحولان إلى عبء سياسي كبير على ولي العهد، خصوصًا إذا أدى ذلك إلى تهديد مستمر للملاحة أو منشآت الطاقة السعودية.
لكن المقال يتجاوز ذلك إلى التكهن بإمكانية تصاعد صراعات داخل الأسرة الحاكمة، وهي نقطة لا يقدم الكاتب عليها أدلة علنية كافية، ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها سيناريو مؤكدًا أو قريبًا بالضرورة.
قراءة شديدة الهجوم وليست تقريرًا محايدًا
ورغم أهمية الأسئلة التي يطرحها المقال بشأن السياسة السعودية في اليمن، فإن تحليل روبين مكتوب بنبرة شديدة الانتقاد لمحمد بن سلمان ويعتمد في عدد من مواضعه على استنتاجات سياسية لا على وقائع مثبتة بشكل مستقل.
كما يتضمن النص الأصلي بعض التفاصيل التاريخية التي تستحق المراجعة؛ فعلى سبيل المثال، كانت السعودية عام 2009 تحت حكم الملك عبد الله بن عبد العزيز، وليس الملك فهد كما ورد في المقال.
لذلك فإن القيمة الرئيسية للتحليل ليست في التعامل مع جميع استنتاجاته باعتبارها حقائق نهائية، وإنما في السؤال الاستراتيجي الذي يطرحه:
هل أدت إعادة ترتيب التحالفات السعودية داخل اليمن والخلاف مع الإمارات إلى فتح الطريق أمام الحوثيين للوصول إلى المخا وباب المندب؟
وإذا ترسخت السيطرة الحوثية على الساحل الغربي وتحولت إلى قدرة دائمة على تهديد الملاحة، فإن هذا السؤال لن يبقى جزءًا من جدل سياسي بين الرياض وأبوظبي، بل قد يتحول إلى أحد أكبر الاختبارات الأمنية التي واجهتها السعودية خلال عهد محمد بن سلمان.