بينما كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يجتاح واشنطن في جولة سياسية واقتصادية محمّلة بصفقات تتراوح بين وعود استثمارية بمليارات الدولارات، وطائرات F-35، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأميركية، كان هناك ملف آخر يُدس بين هذه الترتيبات: ملف حرب السودان، الذي تحوّل فجأة إلى محور ضغط سعودي مباشر داخل البيت الأبيض. الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال في منتدى الاستثمار الأميركي-السعودي إن السودان “لم يكن على خريطته إطلاقًا”، وإنه اعتبر الحرب هناك “جنونًا خرج عن السيطرة”، إلى أن جاء محمد بن سلمان وطلب منه “شيئًا قويًا جدًا يتعلق بالسودان”، مقدمًا له الموضوع باعتباره “فرصة عظيمة”.
وهنا يبرز السؤال الأكثر جوهرية: هل كان تحرك ابن سلمان نابعًا من حرص حقيقي على وقف الدم السوداني؟ أم أن ما يجري هو فصل جديد من صراع النفوذ بين الرياض وأبوظبي، تُستخدم فيه الخرطوم كورقة ابتزاز على طاولة واشنطن؟ فالقراءة المتعمّقة لما يجري تُظهر أن طريق الحرب والسلام في السودان يمر اليوم أكثر من أي وقت مضى عبر التنافس المحموم بين السعودية والإمارات، وأن مستقبل البلاد يُصاغ في الخليج وليس في السودان نفسه، وأن العامل الحاسم هو الجهة التي ستكسب أذن ترامب ونفوذ إدارته.
وعلى الأرض، العملية الرسمية للسلام وصلت إلى طريق مسدود؛ فمقترح ترامب لهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، والذي قدمه مستشاره مسعد بولس ضمن خارطة الطريق الموضوعة من “الرباعية” (الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر)، اصطدم بمواقف مستعصية من أطراف الحرب. قوات الدعم السريع، المنتشية بسقوط آخر مدينة للجيش في دارفور، قبلت الهدنة “اسميًا” لكنها واصلت تقدمها العسكري. في المقابل، الجيش السوداني برئاسة عبد الفتاح البرهان رفض تمامًا أي وقف لإطلاق النار قبل استسلام الدعم السريع، واعتبر المقترح محاولة “لمحو وجود الجيش” والإبقاء على مليشيا الدعم السريع كما هي.
اللحظة المفصلية جاءت بسقوط مدينة الفاشر بعد حصار دام 18 شهرًا، وهي خطوة ترافقت مع تقارير عن مذابح مروعة، واغتصاب جماعي، وجرائم استهداف عرقي وصفتها الأمم المتحدة بأنها “أكبر بؤرة ألم إنساني في العالم”. لا يمكن فصل هذا التقدم العسكري للدعم السريع عن الدعم الخارجي الكبير الذي تتلقاه المليشيا، وعلى رأسه الإمارات التي تتهمها تقارير أممية وأميركية بتزويد الدعم السريع بأسلحة متطورة، خصوصًا الطائرات المسيّرة التي قلبت ميزان المعركة. ورغم نفي أبوظبي، إلا أن حجم الفظائع في الفاشر جعل النفي غير مقنع إطلاقًا: تقديرات الضحايا تتراوح بين 2000 وعشرات الآلاف، فيما نزح 90 ألف مدني منذ سقوط المدينة.
وفي محاولة التفاف واضحة، خرج المبعوث الإماراتي أنور قرقاش بتصريح يعترف فيه بأن دول الخليج ارتكبت “خطأً كبيرًا” بعدم معارضة انقلاب 2021 الذي سلّم السلطة لكلا طرفي الحرب وأجهض أي أمل في حكومة مدنية. ورغم أن التصريح صيغ على أنه “مراجعة”، إلا أنه كان محاولة واضحة لتلميع صورة الإمارات وتبرئة نفسها من جرائم حليفها الوحيد على الأرض: الدعم السريع.
التوازي اللافت كان في الإعلام الإماراتي؛ قناة سكاي نيوز العربية أرسلت مراسلًا إلى الفاشر لتقديم تغطية تميل بشكل فج إلى تبرئة الدعم السريع، والتقليل من حجم الكارثة، في إطار حملة إعلامية أوسع تقودها شخصيات وذباب إلكتروني إماراتي لإلقاء اللوم على الجيش السوداني وتحميله جرائم حدثت بالكامل بعد انسحابه من المدينة. الرسالة واضحة: أبو ظبي تريد بكل قوة إعادة صياغة الرواية الدولية، مهما كان الثمن، لتجنب وصمة التورط في الإبادة العرقية التي ارتُكبت في الفاشر.
لكن هذا كله بدأ يصطدم بموقف أميركي يزداد صلابة. وزير الخارجية ماركو روبيو قال صراحة إنه يجب “وقف الأسلحة والدعم الذي يصل إلى الدعم السريع”، وفي جلسة سابقة بالكونغرس كان أكثر وضوحًا حين سمّى الإمارات مباشرة واتهمها بخوض “حرب بالوكالة تزعزع استقرار المنطقة”. علاوة على ذلك، حاول الديمقراطيون بقيادة السيناتور كريس فان هولن تمرير قانون “Stand Up for Sudan Act” لوقف مبيعات السلاح للإمارات حتى تتوقف عن دعم المليشيا، ورغم فشل تمريره إلا أنه كشف حجم الغضب داخل الكونغرس من دور أبوظبي.
وفي الجهة المقابلة، يعيش السودان خطر الانهيار الكامل للدولة، وهو ما تفاقم بعد سقوط الفاشر؛ إذ أتاح هذا الانتصار للدعم السريع إعادة توزيع قواته والتقدم نحو الوسط وربما الخرطوم، مما يعرض الجيش وما تبقى من الدولة لخطر الزوال. هذا الخطر دفع مصر وتركيا لمحاولة دعم الجيش، وفي هذا الإطار زار وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بورتسودان، محذرًا من “تقسيم كارثي” للسودان، ومؤكدًا أن الجيش “لا يمكن استبداله بكيانات موازية”، في رفض مباشر لشرعية الدعم السريع.
بالنسبة للسعودية، فإن سقوط السودان كارثة استراتيجية. فالمسافة بين البلدين عبر البحر الأحمر أقل من 200 ميل، وانهيار السودان يعني موجات لاجئين، وصعود الإرهاب، وانتشار تجارة السلاح والمخدرات — وهو ما يهدد أمن المملكة ومشاريع رؤية 2030. ولذلك تدعم الرياض بوضوح “المؤسسات الشرعية” في السودان، وهو تعبير دبلوماسي لمنح الشرعية للجيش ضد الدعم السريع.
مصادر مطلعة كشفت أن البرهان أبلغ ابن سلمان صراحة أن الحرب لا يمكن أن تنتهي دون ضغط أميركي على الإمارات. الأمير وعد بنقل الرسالة إلى البيت الأبيض، لكن ما جرى كان أكبر؛ إذ كشفت PBS أن الطلب السعودي شمل تصنيف الدعم السريع “منظمة إرهابية”، وفرض عقوبات ثانوية على الإمارات نفسها بسبب تسليحها للمليشيا. البرهان شكر ترامب وابن سلمان علنًا بعد ذلك، في إشارة إلى نجاح التحرك.
ووسط هذه التعقيدات، يبرز سؤال محوري: هل تحرك ابن سلمان لإخراج الإمارات من السودان نابع من حسابات إنقاذ السودان؟ أم أنه جزء من صراع السيطرة على الخرطوم ومفاتيح نفوذها؟ فالسعودية تريد جيشًا مركزيًا يحفظ الحدود ويمنع الفوضى، بينما الإمارات استثمرت لسنوات في مليشيا تناسب نفوذها وتخدم مصالحها. وبين رغبة الرياض في دولة متماسكة ورغبة أبوظبي في لاعب تابع، ينزلق السودان نحو هاوية لا قرار لها.
وفي النهاية، ما يُحدد مصير السودان اليوم ليس مفاوضات “الرباعية” التي تحوّلت إلى ديكور، ولا جهود الوسطاء، بل ما يجري في غرف القرار بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد داخل البيت الأبيض. ابن سلمان لعب ورقته بقوة في واشنطن — ويبقى السؤال: كيف سيرد محمد بن زايد؟