كتب- باسم الشجاعي:

“الحرب القائمة بين الميليشيات الليبية ستنتقل إلى الجزائر خلال أسبوع”. هكذا هدد الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر”، جارته الجزائر، متهما إياها بمحاولة التدخل في شؤون بلاده، جاء ذلك خلال لقائه مع تجمع لمؤيديه شرق ليبيا.

وقال “حفتر”، في الفيديو الذي نشرته قناة “الجزيرة” الفضائية، إنه أبلغ السلطات الجزائرية بقدرته على نقل الحرب في لحظات إلى حدودها، وإن السلطات الجزائرية اعتذرت وأخبرته أن دخول قوات تابعة لها إلى ليبيا عمل فردي سينتهي في غضون أسبوع.

 

ولكن لم يظهر فيديو “حفتر”، توقيت دخول القوات الجزائرية وأسباب التوغل وأهدافه، والجهة التي اتصل بها وأبلغته الاعتذار، مازاد الشكوك حول أقواله، خاصة أن الجزائر تتعامل مع حكومة “فائز السراج” على أنها السلطة الشرعية في ليبيا، وليس مع الجنرال المدعوم إماراتيا، ما يجعل أمر الاعتذار له محل شك.

وهو ما دفع بعض المتابعين للتساؤل حول الدوافع الحقيقية وراء تهديد “حفتر”، وهل تقف دولة الإمارات العربية المتحدة وراء تلك التصريحات “العنرية”.

فـ”حفتر” يدرك أنه غير قادر على الدخول في مواجهة عسكرية خارج بلاده دون وجود دعم خارجي قوي، فهو بالكاد يسيطر على الجهة الشرقية من ليبيا، ولم ينجح حتى في التوغل نحو المناطق الوسطى، فكيف له الدخول في حرب بعيدة عن مواقعه في أقصى الغرب.

وهو ما يؤكد أن تهديدات “حفتر” ليس من تلقاء نفسه، بل جاءت بإيعاز من دولة الإمارات التي تقدم له دعما كاملا منذ ظهوره على الساحة الليبية في مايو 2014.

لماذا الجزائر؟

خلال السنوات الماضية عملت الإمارات، على التوغل في دولة الجزائر، وذلك عبر شبكة من العلاقات مع مسؤولين بالجيش والأجهزة الاستخباراتية، أملا أن تكون الدولة الإفريقة تابعة لها في بعض المواقف الخارجية، المتعلقة بالمنطقة العربية والإقليمية، والتي تملك فيها الأخيرة ثقلا كبيرا فيها، إلا أن الجزائر رفضت تلك التبعية، واتخذت مواقف متباينة للمواقف الإماراتية في بعض الأزمات.

فكان لا بدَّ من إعلان الحرب على الجزائر؛ حيث لم تجد الإمارات في الوقت الحالي أنسب من ذراعها الليبي الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر”، الذي يكن العدائد للجزائر.

ويأتي عداء “حفتر”، للجزائر بسبب رفض الأخيرة عدة مرات دعم مشروعه وقراراته، للحد الذي دفعه إلى وصف الجزائر “بالدولة غير الشقيقة والعدوة”.

فـ”الجزائر”، ترى أن الحل في الأزمة الليبية يتمثل في الرهان على “فايز السراج”، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، وتفعيل اتفاق الصخيرات، وليس في “حفتر” المدعوم من جانب الإمارات.

وهو ما زاد من اتساع الهوة بين الجزائر والإمارات؛ حيث شعرت الأخيرة أن الجزائر لن تكون حليفة لها في الملف الليبي على الإطلاق.

كما أن الإمارات لن تنسى للجزائر موقفها من الأزمة الخليجية الأخيرة مع دولة قطر؛ حيث جنحت الجزائر بعض الشيء نحو موقف الدوحة بدعم الحوار، وعدم التماهي في المواقف السياسية لدولة الحصار.

وفي أشد أوقات الحصار على الدوحة، قام وزير الدولة للشؤون الخارجية لدولة قطر، “سلطان بن سعد سلطان المريخي”، وتحديدا في يونيو 2017، بزيارة الجزائر، كنوع من كسر الحصار، والتقى بوزير الشؤون الخارجية “عبد القادر مساهل”.

أبعاد أخرى

بالإضافة للملف الليبي والقطري، هناك أبعاد كثير زادت من حدة التوتر القائم بين الجانبين، من ضمنها الملف التونسي.

فالجزائر تتعامل مع القضايا الداخلية لتونس بوصفها امتدادا طبيعي لأمنها القومي، وأدت التدخلات الإماراتية في الشأن التونسي إلى توسع الهوة بين الجزائر والإمارات.

وتمثلت التدخلات الإماراتية في تجميد عدد من مشاريعها الاقتصادية في تونس، إضافة إلى وضع صعوبات في وجه العمال التونسيين والتدخل في الحياة السياسية؛ حيث تسعى أبو ظبي من خلال هذا التدخل لكسر النفوذ الجزائري والقطري.

إلا أن الرد الجزائري كان قويا وقتها، واعتبره البعض صفعة على وجه الإمارات؛ حيث منحت تونس مساعدات مالية بلغت قيمتها نحو 200 مليون دولار، تحتوى وديعة قدرها 100 مليون دولار في البنك المركزي لزيادة احتياطياته، وقروضا قيمتها 100 مليون دولار، فضلا عن منحها معدات عسكرية متطورة كصواريخ جو- أرض روسية الصنع التي تستخدم في قصف أهداف أرضية، وتدريب عناصرها الأمنية على مكافحة الإرهاب.

أحد أبعاد هذا التوتر، العلاقة بين الجزائر وإيران، أيضا، كما تختلف الجزائر مع الإمارات بشأن الموقف من “حزب الله” اللبناني؛ حيث تراه أبوظبي تنظيم إرهابي، في حين لا ترى الجزائر ذلك.

أيضا، فإن عدم انخراط الجزائر في التحالف العسكري في اليمن الذي تقوده السعودية والإمارات، منذ مارس 2015، وعدم اشتراكها بشكل فعال فيه، أحدث شرخا كبيرا في العلاقات بين البلدين.

التوقيت الأنسب

ويبدو أن الإمارات رأت أن هذا التوقيت هو الأنسب لها للتدخل في الشأن الجزائري، وجرها لمعارك جانبية، مع اقترب موعد الانتخابات الرئاسية التي من المرجح أن تنظم خلال شهري أبريل ومايو 2019.

ومع عدم إظهار الرئيس الجزائري “عبد العزيز بوتفليقة” أو محيطه مؤشرات واضحة حول نيته في مغادرة الحكم، والذي لا تتناغم سياسته مع دولة الإمارات، من المرجح أن تكشف الأيام المقلبة عن مساعي خفية لأبوظبي في الجزائر للتأثير على تلك الانتخابات.

ويتوقع خبراء، أن الأيام المقبلة سشتهد ظهور للبعض الشخصيات التي تربطها ولاءات بولي عهد أبو ظبي الأمير “محمد بن زايد”.

ومن بين الأسماء المرجح ظهورها، “أنور مالك”، والذي تربطه علاقات مشبوها مع السعودية.

و”أنورمالك” هو ضابط جزائري سابق، ويعمل حاليا كاتبا وصحفيا، واسمه الحقيقي “نوار عبد المالك”، ويرأس حاليا بعض المنظمات الحقوقية المناهضة لإيران، بحسب ما كشف المغرد الشهير “مجتهد”.