في جريمة جديدة تفضح زيف الادعاءات بوقف إطلاق النار، قتلت قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات 13 مدنياً، بينهم 3 أطفال، وأصابت 21 آخرين، جراء قصف مدفعي عنيف استهدف الأحياء السكنية في مدينة الفاشر المحاصرة غربي السودان، صباح الجمعة. 

جاءت المجزرة بعد ساعات فقط من إعلان مجلس السيادة الانتقالي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وافق على هدنة إنسانية مؤقتة في المدينة لتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، استجابة لمطالب الأمم المتحدة.

لكن القصف الوحشي أثبت أن قوات حميدتي، التي تتلقى تمويلاً وتسليحًا مستمرًا من دولة الإمارات، ماضية في استراتيجيتها القائمة على خنق المدن وارتكاب المجازر لفرض السيطرة بالقوة، ضاربة عرض الحائط بكل النداءات الدولية وحقوق المدنيين.

في المقابل، نفت قوات الدعم السريع تلقي أي مقترح رسمي لوقف إطلاق النار، في تكرار متعمد لسياسة الالتفاف على المبادرات الدولية.

 

دارفور تحترق: الجوع والقصف ينهشان الفاشر

يعيش مئات الآلاف من المدنيين في الفاشر ظروفاً أشبه بالجحيم، مع تصاعد وتيرة القصف ونفاد المواد الغذائية والدوائية، وانهيار تام للقطاع الصحي. أُجبرت معظم المستشفيات على الإغلاق نتيجة استهدافها أو انقطاع الإمدادات، ما دفع العديد من العائلات إلى أكل أوراق الأشجار وقشور الفول السوداني للبقاء على قيد الحياة، في مشهد صادم لما وصلت إليه الأزمة الإنسانية.

وتصف منظمة “يونيسيف” الوضع في المدينة بـ”جحيم على الأرض” لأكثر من 825 ألف طفل محاصرين في المدينة ومخيمات النازحين، بينما لا تزال الأمم المتحدة عاجزة عن الإعلان الرسمي عن المجاعة، بسبب غياب بيانات دقيقة نتيجة تعذر الوصول الميداني.

الإمارات… شريك الدم

ليست هذه المجزرة الأولى التي تقع في ظل دعم إماراتي صريح لقوات الدعم السريع. فقد كشفت تقارير دولية متكررة –منها ما صدر عن “رويترز” و”واشنطن بوست”– أن أبو ظبي تموّل وتسلّح قوات حميدتي بشكل سري، خاصة عبر نقل طائرات شحن إماراتية محملة بالسلاح إلى قواعد في غرب السودان أو عبر دول وسيطة مثل تشاد. ويخدم هذا الدعم أجندات إماراتية توسعية في إفريقيا، حيث تسعى أبو ظبي للسيطرة على طرق التجارة، ومناجم الذهب، والموانئ الحيوية على البحر الأحمر، باستخدام وكلاء محليين على رأسهم حميدتي.

وقد باتت قوات الدعم السريع أشبه بذراع إماراتية مسلحة في السودان، تستخدمها أبو ظبي لترسيخ نفوذها الجيوسياسي في الإقليم، ولو كان الثمن آلاف الأرواح من المدنيين السودانيين.

إبادة على مرأى العالم

تُظهر المعطيات الميدانية أن ما يحدث في دارفور يتجاوز مجرد صراع داخلي إلى كونه مشروع إبادة حقيقية تتكرر يوميًا، وسط صمت دولي مريب. إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من 20 ألف شخص منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، فيما قدّرت دراسة حديثة أعدتها جامعات أميركية عدد القتلى بنحو 130 ألفاً. 

أما النازحون واللاجئون فبلغ عددهم أكثر من 15 مليونًا، وهي أرقام صادمة في ظل الغياب شبه التام لأي جهد دولي جاد لوقف النزيف أو محاسبة الأطراف المتورطة، وعلى رأسها الإمارات.

خاتمة: صمت العالم ووقاحة الداعمين

مجزرة الفاشر اليوم ليست سوى حلقة جديدة من مأساة تُصنع برعاية المال الإماراتي وتُنفّذ بدموية ميليشيا حميدتي. وبينما يدفن الأطفال تحت الركام، تستمر أبو ظبي في إرسال الدعم والذخائر، وتسويق نفسها كوسيط سلام في المحافل الدولية، في ازدواجية فاضحة يكافئها العالم بالصمت.

وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لوضع حد لهذا العبث، فإن ما ينتظر الفاشر ودارفور –وربما السودان كله– هو مزيد من الدم، ومزيد من الخراب، ومزيد من الاحتلال غير المعلن بأدوات محلية.

اقرأ أيضًا : مقابر خلف القضبان: السعودية تُخفي معارضيها في زنازين الموت البطيء