تشهد المنطقة تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق بين إيران وإسرائيل، بعد موجة متبادلة من الضربات الصاروخية والغارات الجوية، مما يثير تساؤلات حول أمد المواجهة المحتملة ومدى قدرة الطرفين على الاستمرار، في ظل توازنات إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
ففي وقت لا تزال فيه تداعيات الضربة الإسرائيلية الأخيرة على منشآت في تبريز وهمدان وأصفهان تتكشف، ردّت طهران بإسقاط مسيّرات قالت إنها إسرائيلية قرب الحدود الشمالية الغربية، وسط مؤشرات على أن الردود المتبادلة دخلت مرحلة “التكافؤ الردعي”، حيث يبدو الطرفان حريصين على تجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة، دون التراجع عن إظهار القوة.

استنزاف تدريجي
يُجمع مراقبون أن تل أبيب لا تملك القدرة على خوض حرب طويلة الأمد ضد إيران، لا سيما في ظل التهديد الصاروخي المستمر الذي بات يستهدف عمقها الاستراتيجي، كما أن الحرب الممتدة التي تخوضها منذ أكثر من عامين ضد غزة، والجبهات المتعددة المفتوحة في لبنان وسوريا والضفة الغربية، شكلت عبئًا واضحًا على قدراتها العسكرية واللوجستية.
وتزداد هذه التحديات عمقًا مع الضغوط الاقتصادية وتكاليف الحرب المتصاعدة، والتي ترهق ميزانية إسرائيل يوما بعد يوم. في المقابل، تبدو إيران مستعدة لمواصلة الهجمات الصاروخية لفترة طويلة، مستفيدة من خبرتها المتراكمة في تصنيع وتخزين الصواريخ، وكذلك من قدرتها على إطلاقها من منصات متعددة تصعّب على الدفاعات الجوية الإسرائيلية اعتراضها بكفاءة.
ميزان قوى غير متكافئ جوًا
رغم أن إسرائيل تتفوق بشكل واضح في سلاح الجو والتكنولوجيا الحربية، إلا أن إيران عوّضت عن ضعفها في هذا المجال بالاعتماد المكثف على المسيّرات والصواريخ الباليستية، والتي طورتها خلال السنوات الماضية وصدّرتها إلى أطراف أخرى، مثل روسيا.
ويبدو أن طهران تراهن على فاعلية هذه الترسانة رغم محدودية دقتها، وهو ما ظهر في موجات القصف الأخيرة التي ألحقت أضرارًا مادية في العمق الإسرائيلي، وكشفت عن بعض الثغرات في منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي، التي أُنهكت جزئيًا بفعل الاستخدام المكثف على أكثر من جبهة.
رسائل متبادلة لا حسم فيها
العمليات العسكرية الجارية حتى الآن تبدو أقرب إلى “رسائل ردع” متبادلة بين الجانبين. فإسرائيل تسعى لضرب منشآت حيوية، مثل البنى التحتية النووية، على أمل تحجيم البرنامج الإيراني، في حين ترد طهران باستهدافات محسوبة تبعث برسائل مفادها أنها قادرة على الرد وأن استمرار الاستفزازات سيقابل بتصعيد تدريجي.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن بعض الضربات الجوية الإسرائيلية قد اقتصرت على منشآت فوق الأرض، مما يترك الغموض مسيطرا على مدى نجاحها في إلحاق ضرر حقيقي بالمنشآت النووية تحت الأرض. من جهة أخرى، لا تزال إيران حذرة في ردودها، ما يرجح فرضية أنها لا تسعى حالياً إلى صدام شامل، لكنها لا تستبعده إذا تجاوزت إسرائيل “الخطوط الحمراء”.
المفاوضات حاضرة في الخلفية
رغم التصعيد العسكري، تبرز مؤشرات على إمكانية تحريك قنوات التفاوض غير المباشر بين طهران وواشنطن، خاصة مع تردد أنباء عن وساطة محتملة في العاصمة العمانية مسقط. غير أن المسار التفاوضي لا يزال هشاً، ويعتمد إلى حد كبير على الموقف الإيراني من المشاركة، وعلى مدى استعداد الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل لخفض التصعيد.
المسألة تتعلق كذلك بحسابات داخلية لدى الطرفين. فالحكومة الإسرائيلية تواجه تحديات سياسية داخلية، وتريد أن تبدو حازمة تجاه إيران، في حين تسعى طهران لتعزيز صورتها كقوة إقليمية قادرة على الرد، دون التورط في حرب قد تؤدي إلى زعزعة استقرارها الداخلي.
أفق المواجهة: إلى أين؟
ما زال من الصعب التنبؤ بأفق هذه المواجهة، لكن المؤشرات الحالية تدل على أن الطرفين لا يسعيان – على الأقل في الوقت الراهن – إلى حرب مفتوحة وطويلة. فالتكلفة ستكون باهظة، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضا سياسيا واقتصاديا.
إسرائيل تعتمد على الدعم العسكري الأميركي، لكن هذا الدعم قد يواجه قيودًا في حال تغيرت المواقف الأوروبية أو تزايدت الضغوط الداخلية في الغرب لوقف التصعيد. أما إيران، فرغم قوتها في مجال الصواريخ، فإنها تدرك أن أي تصعيد غير محسوب قد يؤدي إلى ردود دولية غير متوقعة، لا سيما إذا تضررت منشآت نووية بشكل كبير.
خلاصة
تبدو المواجهة الحالية بين إيران وإسرائيل أقرب إلى “مباراة عضّ أصابع”، حيث يسعى كل طرف إلى اختبار حدود الآخر دون كسر التوازن، وفي ظل ما يشبه التعادل الإستراتيجي، تبقى الكلمة الفصل لعامل الزمن، وقدرة كل طرف على الصمود سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
اقرأ أيضًا : تفكيك أسطورة الموساد .. من اخترق إيران فعليًا؟