ترجمة العدسة عن مقال للكاتب محمد بازي في صحيفة الغارديان
منذ ما يقارب العامين والاحتلال الإسرائيلي يستهدف الصحفيين الفلسطينيين في غزة بشكل ممنهج، ليلة الأحد الماضي وحدها، قتلت الطائرات الإسرائيلية ستة صحفيين كانوا يحتمون بخيمة خصصت للإعلاميين في مدينة غزة، من بين الضحايا كان المراسل الأبرز منذ بداية الحرب أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة البالغ من العمر 28 عاماً، وبقية فريق الشبكة الذي واصل نقل حقيقة ما يجري من قلب الأرض المحاصرة.
إسرائيل قادرة على قتل الصحفيين الفلسطينيين مع ضمان عدم تعرضها لأي عقاب أو محاسبة، ليس فقط بفضل الدعم العسكري والسياسي غير المشروط من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، بل أيضاً بسبب فشل مؤسسات الإعلام الغربي وصحفييه في الدفاع عن زملائهم الفلسطينيين. المؤسسات الإعلامية الغربية اعتادت أن تشن حملات مفتوحة للدفاع عن الصحفيين الذين يتعرضون للملاحقة أو الاعتقال على يد خصوم الولايات المتحدة مثل روسيا أو الصين أو إيران. لكنها، في المقابل، تلتزم صمتاً مخجلاً حين يتعلق الأمر بإسرائيل، الحليف المدلل لواشنطن.
هذا النفاق الإعلامي الغربي، وخاصة الأمريكي، تكشف بشكل صارخ منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، القانون الدولي يمنح الصحفيين الحماية نفسها التي يتمتع بها المدنيون، ويعتبر استهدافهم جريمة حرب. لجنة حماية الصحفيين (CPJ) وثّقت مقتل 192 صحفياً منذ ذلك التاريخ، بينهم 184 فلسطينياً قُتلوا على يد إسرائيل، وأكدت اللجنة أن 26 منهم على الأقل جرى استهدافهم بشكل مباشر بسبب عملهم الصحفي. تقرير آخر صادر عن مشروع “تكلفة الحروب” في جامعة براون أشار إلى رقم أكبر: 232 صحفياً حتى نهاية مارس/آذار 2025. والأسوأ أن هذا الرقم يفوق عدد الصحفيين الذين قُتلوا في الحرب الأهلية الأمريكية، والحربين العالميتين، والحرب الكورية، وحرب فيتنام، وحروب يوغسلافيا، والحرب الأمريكية في أفغانستان مجتمعة.
الأرقام المفزعة لم تحرّك ضمائر المؤسسات الإعلامية الغربية، على النقيض، شنت هذه المؤسسات حملة عالمية للدفاع عن مراسل “وول ستريت جورنال” إيفان غيرشكوفيتش الذي اعتقلته روسيا عام 2023 بتهمة التجسس. الإعلام الأمريكي حينها قدّم غيرشكوفيتش كضحية لمحاكمة صورية وحملة قمع؛ لكن الصحفيين الفلسطينيين لم يحظوا بأي حملة تضامن مماثلة، ولم يُعتبروا جديرين بنفس الحماية أو بميزة “المتهم بريء حتى تثبت إدانته“.
أنس الشريف نفسه تلقى تهديدات متكررة من الجيش الإسرائيلي منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عندما أخبروه بوضوح: “اترك عملك وغادر غزة”، بعد شهر واحد فقط، استُشهد والده البالغ من العمر 90 عاماً إثر قصف منزل العائلة، لاحقاً بدأت حملة التشويه الإسرائيلية ضده، واتهمته تل أبيب بالانتماء إلى “حماس” أو “الجهاد الإسلامي”، كما فعلت مع عشرات الصحفيين الذين اغتالتهم لاحقاً دون تقديم أي دليل.
في أكتوبر/تشرين الأول 2024، زعمت إسرائيل أن ستة صحفيين من الجزيرة، بينهم الشريف، أعضاء في فصائل فلسطينية مسلحة، الجزيرة ومنظمات الدفاع عن الصحافة حذرت من أن هذه الاتهامات بمثابة “حكم إعدام” معلن، وبالفعل، اغتيل أحد الصحفيين الستة في مارس/آذار الماضي، وشهر يونيو/حزيران بدأت حملة تحريض جديدة ضد أنس بعد أن انتشر تقرير مصوَّر له وهو يبكي على الهواء إثر انهيار امرأة من الجوع أمام الكاميرا. كان الشريف قد أصبح بالفعل وجه الحرب على غزة بالنسبة للملايين في العالم العربي، وهو ما دفع إسرائيل لتصعيد استهدافه. حتى لجنة حماية الصحفيين أصدرت بياناً نادراً أعربت فيه عن “قلقها البالغ” على حياته، لكن النداءات لم تجد صدى لدى أغلب غرف الأخبار الغربية.
في المقابل، لم نرَ بيانات تضامن أو رسائل مفتوحة كما فعلت كبريات الصحف الأمريكية دفاعاً عن غيرشكوفيتش في يوم حرية الصحافة العالمي عام 2024. يبدو أن حرية الصحافة والحماية من الاضطهاد في نظر الإعلام الغربي امتياز يقتصر على الصحفيين الغربيين وحدهم.
السابقة الأخطر كانت في 2022، حين اغتيلت شيرين أبو عاقلة، الصحفية البارزة في الجزيرة والحاملة للجنسية الأمريكية، برصاص جندي إسرائيلي في الضفة الغربية. إدارة جو بايدن رفضت تحميل إسرائيل أي مسؤولية، الأمر الذي شجع تل أبيب على المضي قدماً في سياسة الإفلات من العقاب، وعليه إذا كان قتل واحدة من أبرز الصحفيات العربيات، والمواطنة الأمريكية، قد مرّ بلا عقاب، فما الذي سيمنع إسرائيل من قتل عشرات ومئات الصحفيين الفلسطينيين في غزة؟
المطلب الوحيد الذي تتبناه وسائل الإعلام الغربية بشكل متكرر هو السماح لصحفيين أجانب بدخول غزة، وهو ما ترفضه إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، باستثناء بعض الحالات التي رافقوا فيها الجيش الإسرائيلي. هذا المطلب رغم وجاهته يحمل في طياته رؤية استعلائية، إذ يوحي بأن الحقيقة لا يمكن أن تنقل إلا على لسان صحفي غربي “محايد”، الصحفي المخضرم في “بي بي سي”، جون سمبسون، كتب على منصة إكس: “العالم يحتاج إلى تقارير نزيهة وموثوقة من شهود عيان، وهذا الأمر لم يكن ممكناً حتى الآن في غزة.”
هذا الادعاء من سمبسون ليس سوى إعادة إنتاج لأسوأ تقاليد الإعلام الاستعماري الذي يضع “الصحفي الأبيض” في موقع المقرر الوحيد للحقيقة، والحقيقة أن معظم هؤلاء الصحفيين الغربيين يعتمدون أصلاً على الصحفيين المحليين والمترجمين والمساعدين، أي على من يضحون بحياتهم في الميدان بينما يبقى الأجانب في الظل الآمن.
غياب الصحفيين الأجانب لم يمنع الصحفيين الفلسطينيين من أداء رسالتهم، أنس الشريف ورفاقه أوصلوا القصة مباشرة إلى العالم، ودفعوا حياتهم ثمناً لذلك. إسرائيل تستهدفهم عمداً وبلا هوادة، بينما يلوذ زملاؤهم في الإعلام الغربي بصمت مشين، يفضح أكثر من أي وقت مضى ازدواجية المعايير وانعدام التضامن الإنساني.